(وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه)
(وكلمته) إنما سمي عيسى - عليه السلام - بكلمته، لوجوده بقوله {كن} كما قاله السلف من المفسرين.
وليس عيسى هو نفسه كلمة، لأنه يأكل ويشرب ويبول، وتجري عليه جميع الأحوال البشرية، كما قال تعالى:
{إنما مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} .
(ألقاها إلى مريم) قال ابن كثير: (خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل - عليه السلام - إلى مريم فنفخ فيها من روحه بأمر ربه عز وجل، فكان عيسى بإذن الله) .
(وروح منه) من: ابتدائية، وليست تبعيضية، كقوله تعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه} أي: روح صادرة من الله، وليست جزءًا من الله كما تزعم النصارى.
قال أبي بن كعب: (عيسى روحٌ من الأرواح التي خلقها الله تعالى واستنطقها بقوله: {ألست بربكم؟ قالوا بلى} ) . رواه عبد بن حميد
(والجنة حق والنار حق) أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للمتقين حق ثابتة لا شك فيها، وشهد أن النار التي أخبر بها تعالى في كتابه أنه أعدها للكافرين حق كذلك ثابتة، كما قال تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله ... } .
وقال تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين} .
وفي الآيتين ونظائرهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافًا للمبتدعة.
(أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) وفي رواية: (أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) . رواه البخاري [3435]
إدخال الجنة ينقسم إلى قسمين:
1.إدخال كامل لم يُسبق بعذاب لمن أتم العمل.
2.إدخال ناقص مسبوق بعذاب لمن نقص العمل.
قال الحافظ: (ومعنى قوله:(على ما كان من العمل) أي من صلاح أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بد لهم من دخول الجنة، ويحتمل أن يكون معنى قوله (على ما كان من العمل) أي يدخل أهل الجنة الجنة على حسب أعمال كل منهم في الدرجات). أ. هـ
قال الشيخ ابن باز رحمه الله:
( [على ما كان من العمل] أي: على ما كان عنده من صلاح وفساد، ولكن هذا الدخول قد يكون من أول وهلة، أي يدخل ابتداءً إذا مات على توبة وعمل صالح وصدق، وقد يكون بعد ما يبتلى به من جزاء السيئات والمعاصي، وبعد ما يمحص في النار ويعذب فيها ثم مصيره إلى الجنة) . أ. هـ
مناسبة الحديث للباب:
أن فيه بيانًا لفضل التوحيد، وأنه سبب لدخول الجنة وتكفير الذنوب.
من فوائد الحديث:
1 -هذا الحديث فيه فضل من فضائل التوحيد، وهو دخول الجنة.
ومن الأحاديث التي تدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي هريرة: (من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)
2 -سعة فضل الله وإحسانه سبحانه وتعالى.
3 -وجوب تجنب الإفراط والتفريط في حق الأنبياء والصالحين.
4 -أن أعظم ما يشرف الإنسان أن يكون عبدًا لله، فكلما كملت عبودية الإنسان زادت منزلته عند الله.
5 -أن أبواب الجنة ثمانية.