م/ (وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"قال موسى - عليه السلام: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به؟ قال: قل يا موسى، لا إله إلا الله، قال: كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفه ولا إله إلا الله في كفة، مالت لا إله إلا الله") . رواه ابن حبان والحاكم وأبو نعيم
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل وأبوه كذلك، اسْتُصْغِرَ أبو سعيد بأحد، وشهد ما بعدها، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع وستين.
موسى: هو موسى بن عمران رسول الله إلى بني إسرائيل.
(أذكرك وأدعوك به) أي: أثني عليك وأسألك به.
(قال: قل لا إله إلا الله) فيه أن هذه الكلمة ذكر ودعاء، فهي (ذكر) : لأن فيها شهادة لله بالوحدانية، (ودعاء) : لأن قائلها يرجو ثوابها.
(كل عبادك يقولون هذا) ليس المعنى أنها كلمة هينة كلٌ يقولها، لأن موسى - عليه السلام - يعلم عظم هذه الكلمة، ولكنه أراد شيئًا يختص به، ولذلك جاء في سنن النسائي والحاكم بعد قوله (كل عبادك يقولون هذا) قال: (إنما أريد أن تخصني به) أي: بذلك الشيء من بين عموم عبادك، فإن من طبع الإنسان أن لا يفرح فرحًا شديدًا إلا بشيء يختص به دون غيره، كما لو كانت عنده جوهرة ليست موجودة عند غيره.
(لو أن السموات السبع وعامرهن غيري ... ) أي: لو أن السموات السبع ومن فيهن من العمال غير الله، والأرضين السبع ومن فيهن، واستثنى سبحانه نفسه لأنه العظيم، وهو سبحانه فوق العرش، وبه قامت السموات والأرض، وهو الذي أمسكهن، قال تعالى: {ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره} .
(في كفة) أي: في كفة الميزان، و"لا إله إلا الله"في الكفة الأخرى لمالت بهن"لا إله إلا الله"، أي مالت بمعناها وليس بأجرامها، وذلك لما اشتملت عليه من توحيد الله الذي هو أفضل الأعمال، وأساس الملّة، ورأس الدين.
المعنى الإجمالي للحديث:
أن موسى - عليه السلام - طلب من ربه عز وجل أن يعلمه ذكرًا يثني عليه به ويتوسل إليه به فأرشده الله أن يقول: لا إله إلا الله، فأدرك موسى أن هذه الكلمة كثير ذكرها على ألسنة الخلق وهو إنما يريد أن يخصه بذكر يمتاز به عن غيره فبين الله له عظم فضل هذه الكلمة وأنه لا شيء يعادلها في الفضل.
مناسبة الحديث للباب:
أن فيه بيان فضل كلمة التوحيد وأنه لا شيء يعادلها في الفضل.
من فوائد الحديث:
1 -فضل كلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، ومما يدل على فضلها:
عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلًا، كل سجل منها مُدُّ البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل فيقول لا، فيقال: بلى، إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها:"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة) . رواه الترمذي وحسنه.
أن"لا إله إلا الله"أفضل الذكر.
2 -عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) . رواه الترمذي
وقال - عليه السلام: (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله) . رواه الترمذي
3 -أن السموات سبع، وهذا بنص القرآن.
قال تعالى: {قل من رب السموات السبع}
وأما الأرض فقد ورد تلميحًا لا تصريحًا.
قال تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن} .
فالمثلية بالكيفية غير مرادة لظهور الفرق بين السماء والأرض في الهيئة والكيفية، فبقيت المثلية بالعدد.