فهرس الكتاب
(أن يزغ في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) هذا تنبيه على أن من ردّ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة.
مناسبة الأثر للباب:
حيث أفاد الأثر أن الإمام أحمد يرى أن العدول عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غيرها شرك في الطاعة، مستدلًا على ذلك بالآية التي أوردها.
ما يستفاد من الأثر:
1 -أن الواجب على المكلف إذا بلغه الدليل من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفهم معنى ذلك أن ينتهي إليه ويعمل به، وإن خالفه من خالفه، كما قال تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون} .
وقال تعالى: {أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} .
2 -ذم من بلغته الحجة وخالفها لقول إمام من الأئمة.
3 -الأئمة رحمهم الله لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، لعلمهم أن من العلم شيئًا لم يعلموه وقد يبلغ غيرهم.
قال الإمام أبو حنيفة: " إذا صح الحديث فهو مذهبي ".
وقال الإمام مالك بن أنس: " إنما أنا بشر أخطئ وأصيب في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه ".
وقال: " ما بنا إلا رادٌّ ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ".
وقال الإمام الشافعي: " إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعوا ما قلت ـ وفي رواية ـ فاتبعوها ولا تلتفتوا إلى قول أحد ".
وقال الإمام أحمد بن حنبل: " لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري، وخذوا من حيث أخذوا ".
وقال: " رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار ".
4 -أنه إذا كان إساءة الأدب في الخطاب مع النبي - صلى الله عليه وسلم - سببًا لحبوط الأعمال، كما قال تعالى: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} .
فما ظنك بردِّ أحكامه وسنته لقول أحدٍ من الناس كائنًا من كان.
5 -التحذير من مخالفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره ... } وأنها سبب الفتنة التي هي الشرك والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
6 -فإذا عرفت هذا علمت أن من ردّ قوله وخالف أمره لقول أبي حنيفة أو مالك أو غيرهما لهم النصيب الكامل والحظ الوافر من هذه الآية.
7 -استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أن الأصل في الأمر الوجوب.
قال القرطبي في تفسيره (12/ 322) :
" بهذه الآية استدل الفقهاء على أن الأمر للوجوب.
وجه الدلالة:
أن الله تعالى توعد المخالفين لأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالفتنة وهي الزيغ، أو العذاب الأليم، ولا يتوعد بذلك إلا على ترك واجب فدلّ على أن أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - المطلق يقتضي الوجوب ".
عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه:
(أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم) . رواه أحمد (4/ 257، 378) والترمذي (3094) وحسنه.
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
عدي بن حاتم: الطائي المشهور، وعدي صحابي شهير وحسن الإسلام، مات سنة 68 هـ.
(فقلت إنا لسنا نعبدهم) ظن عدي أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: (إنا لسنا نعبدهم) .