فهرس الكتاب
(كانت الريح طيبة والملاّح حاذقًا) ومعى ذلك أن السفن إذا جرين بريح طيبة وحذق الملاّح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك في البحر رحمة، كما قال تعالى: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيمًا} .
الباب الثاني والأربعون
قول الله تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون}
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
اعلم أن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم يقصد بها المتكلم معنىً لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد، كما يجري على لسانه أنواع من الشرك الأصغر لا يقصدها.
{أندادًا} جمع الند، وهم المثل.
وهذه الآية في سياق قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون. الذي جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون} .
معنى الآية:
أن الله تعالى نهى الناس أن يجعلوا له أندادًا، أي أمثالًا في العبادة والطاعة وهم يعلمون أن الذي فعل تلك الأفعال هو ربهم وخالقهم وجاعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، والذي أنزل من السماء ماءً فأخرج به من أنواع الثمرات رزقًا لهم، فإذا كنتم تعلمون ذلك فلا تجعلوا له أندادًا.
قال ابن كثير: " قال أبو العالية: {فلا تجعلوا لله أندادًا} أي عدلاء وشركاء، وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي ".
قال ابن عباس في الآية:
(الأنداد: هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانًا، هذا كله به شرك) . رواه ابن أبي حاتم
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(هذا الشرك أخفى من دبيب ... ) أي أن هذه الأمور من الشرك خفية على الناس، ولا يكاد ينفطن لها إلا القليل، وضرب المثل بخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ فكيف إذا كانت سوداء؟ فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام وعسير التخلص منه، ولهذا جاء في حديث أبي موسى قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم فقال: (أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل، فقيل: وكيف نتقيه وهم أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه) . رواه أحمد
(دبيب النمل) مشيه.
(على صفاة) أي الحجر الأملس.
(وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي) أي أن من الحلف بغير الله الحلف بحياة المخلوق ـ وسيأتي الكلام عليه ـ
(وتقول لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص) أي السرّاق، والمعنى أن من الشرك نسبة عدم السرقة إلى الكليبة التي إذا رأت السّرّاق نبحتهم فاستيقظ أهلها وهرب السّرّاق.
(ولولا البطّ في الدار لأتى اللصوص) البطّ: طائر معروف يتخذ في البيوت، وإذا دخلها غريب صاح واستنكره، ومعناه كالذي قبله.
والواجب نسبة ذلك على الله، فهو الذي يحفظ عباده ويكلؤهم بالليل والنهار، كما قال تعالى: {قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون} .
(قول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت) سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى.
(هذا كله به شرك) أي بالله شرك.