وساحتهم / فناء أرضهم، وما حولها.
(ثم ادعهم إلى الإسلام) أي: الذي هو معنى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
ومن هذا الوجه طابق الحديث الترجمة، وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم: (فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب ... قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) .
(وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه) أي أنهم إذا أجابوا إلى التوحيد فأخبرهم بما يجب عليهم بعد ذلك من حق الله كالصلاة والزكاة، وهذا كقوله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: (فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها) .
فإن أجابوا إلى ذلك فقد أجابوا إلى الإسلام حقًا، وإن امتنعوا عن شيء من ذلك فالقتال باقٍ بحاله.
(فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم) حمر النعم / بتسكين الميم، أي خير لك من الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب.
قال النووي: (وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا، إنما هي للتقرب إلى الأفهام، وألا فذرة من الآخرة خير من الأرض بأسرها وأمثالها معها) . أ. هـ
قيل المراد: خير من أن تكون لك فتتصدق بها.
وقيل: خير لك من أن تقتنيها وتمتلكها، وهذا أظهر.
المعنى الإجمالي للحديث:
أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشر الصحابة بانتصار المسلمين على اليهود من الغد على يد رجل له فضيلة عظيمة وموالاة لله ولرسوله فاستشرف الصحابة لذلك كل يود أن يكون هو ذلك الرجل من حرصهم على الخير فلما ذهبوا على الوعد طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليًا وصادف أنه لم يحضر لما أصابه من مرض عينيه ثم حضر فتفل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما فزال ما يحس به من الألم زوالًا كاملًا وسلمه قيادة الجيش وأمره بالمضي على وجهه برفق حتى يقرب من حصن العدو فإن أجابوا أخبرهم بما يجب على المسلم من فرائض، ثم بين - صلى الله عليه وسلم - لعلي فضل الدعوة إلى الله وأن الداعية إذا حصل على يديه هداية رجل واحد فذلك خير له من أنفس الأموال الدنيوية.
مناسبة الحديث للباب:
أن فيه مشروعية الدعوة إلى الإسلام الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وبيان فضل الدعوة إلى ذلك.
من فوائد الحديث:
1 -فضيلة ظاهرة لعلي وشهادة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - بموالاته لله ولرسوله.
2 -فيه إشارة إلى أن عليًا تام الاتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحبه الله، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق.
3 -فيه إثبات المحبة لله، وأنه يحب، وأجمع السلف على ثبوت المحبة لله، يُحِب ويُحَب، فيجب إثبات ذلك حقيقة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهي محبة حقيقية تليق بالله تعالى.
قال تعالى: {إن الله يحب المحسنين}
وقال تعالى: {إن الله يحب المتقين}
وقال تعالى: {إن الله يحب المقسطين}
وقال تعالى: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}
4 -وفي ذلك البشارة بحصول الفتح على يدي علي.
5 -وهو علم من أعلام النبوة.
6 -فيه شهادة أن محمدًا رسول الله.
7 -فيه حرص الصحابة على الخير، ومزيد اهتمامهم به، وذلك يدل على علو مراتبهم في العلم والإيمان.
8 -فيه سؤال الإمام عن رعيته، وتفقده أحوالهم، وسؤاله عنهم في مجامع الخير.
9 -فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم يسْعَ ومنعها عمن سعى، لأن الصحابة غدوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مبكرين كلهم يرجو أن يُعطاها ولم يعطوها، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مريض ولم يسع لها ومع ذلك أعطي الراية.
10 -فيه أن فعل الأسباب المباحة أو الواجبة أو المستحبة، لا ينافي التوكل.
11 -فيه الأدب عند القتال، وترك العجلة والطيش، والأصوات التي لا حاجة لها.