(وما خلقت) أي: أوجدت. (الجن) : هو عالم غيبي مستتر عن الأنظار.
(والإنس) : هم بنو آدم، وسمّوا بذلك لأنهم لا يعيشون بدون إيناس، فهم يأنس بعضهم ببعض، ويتحرك بعضهم ببعض
(إلا ليعبدون) أي: يوحدون، روي ذلك عن ابن عباس.
والعبادة: قال شيخ الإسلام: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
المعنى الإجمالي للآية:
يخبر الله تعالى أنه ما خلق الإنس والجن إلا لعبادته، فهذا هو الحكمة من خلقهم، ولم يرد منهم ما تريده السادة من عبيدها من الإعانة لهم بالرزق والإطعام، ولهذا قال تعالى: {ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} بل هو سبحانه الرازق ذو القوة المتين، الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَم، كما قال تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليًا فاطر السموات والأرض وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكوننَّ من المشركين} . [الأنعام 14]
ولما كانت الحكمة من خلق الإنسان هي عبادته سبحانه، أعطى البشر عقولًا، وأرسل إليهم رسلًا، وأنزل عليهم كتبًا، ولو كان الغرض من خلقهم كالغرض من خلق البهائم لضاعت الحكمة من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لأنه في النهاية يكون كشجرة نبتت ونمت وتحطمت، ولهذا قال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} .
مناسبة الآية للباب:
هذه الآية تدل على وجوب التوحيد، إذ أن الإنس والجن ما خلقوا إلا لعبادة الله.
من فوائد الآية:
1 -أن الحكمة من خلق الخلق عبادة الله.
وعبادته سبحانه هي: طاعته بفعل المأمور وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين الإسلام، لأن معنى الإسلام هو الاستسلام لله المتضمن غاية الانقياد في غاية الذل والخضوع.
2 -وفي الآية دليل على إثبات وجود الجن.
قال تعالى: {يا معشر الإنس والجن ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم. . .}
قال تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثير من الجن والإنس}
وقال - صلى الله عليه وسلم: (لا يسمع صوت المؤذن إنس ولا جن ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) .
3 -أن الجن خلقوا للغاية نفسها التي خلق الإنس من أجلها وهي عبادة الله.
ففي يوم القيامة يقول الله مخاطبًا كفرة الجن والإنس موبخًا ومبكتًا:
{يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسلٌ منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا، وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين} . [الأنعام/ 130]
وعليه فمن كفر منهم دخل النار بالاتفاق ن ومن آمن منهم دخل الجنة على القول الصحيح.
ـ يقول شيخ الإسلام ابن تيميه في الفتاوى [4/ 233] : (الجن مأمورون بالأصول، والفروع بحسبهم، فإنهم ليسوا مما ثلين للإنس في الحد والحقيقة، فلا يكون ما أمروا به ونهوا عنه مساويًا لما على الإنس في الحد، لكنهم مشاركون الإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والتحليل والتحريم، هذا ما لم أعلم فيه نزاعًا بين المسلمين) .
4 -أن الله هو الخالق.
كما قال تعالى: {الله خالق كل شيء} وقال تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} .
5 -بيان الحكمة في أفعال الله حيث أن الله خلقنا للعبادة ولم يخلقنا هملا.
قال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون}
وقال تعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى} قال الشافعي: (لا يؤمر ولا ينهى) .
م/ (قال تعالى {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} )
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
{بعثنا} أرسلنا.
{أمة} طائفة من الناس، وتطلق الأمة في القرآن على أربعة معان: