الباب الحادي عشر
(لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله)
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:
ما أحسن إتباع هذا الباب بالباب الذي قبله، فالذي قبله من المقاصد، وهذا من الوسائل، ذاك من باب الشرك الأكبر، وهذا من وسائل الشرك القريبة، فإن المكان الذي يذبح فيه المشركون لآلهتهم تقربًا إليها وشركًا بالله، وقد صار مَشْعرًا من مشاعر الشرك، فإذا ذبح فيه المسلم ذبيحته ولو قصدها لله فقد تشبه بالمشركين، وشاركهم في مَشْعرهم، والموافقة الظاهرة تدعو إلى الموافقة الباطنة والميل إليهم.
ومن هذا الباب نهى الشارع عن مشابهة الكفار في شعائرهم وأعيادهم وهيئاتهم ولباسهم وجميع ما يختص بهم، إبعادًا للمسلمين عن الموافقة لهم في الظاهر التي هي وسيلة قريبة للميل والركون إليهم، حتى أنه نهى عن الصلاة النافلة في أوقات النهي التي يسجد المشركون فيها لغير الله، خوفًا من التشبه المحذور.
م / وقول الله تعالى: {لا تقم فيه أبدًا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} .
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
{لا تقم} والضمير عائد على مسجد الضرار.
المعنى الإجمالي للآية:
ينهى الله عز وجل رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم في مسجد الضرار في الصلاة فيه أبدًا، والأمة تبع له في ذلك، لأن مسجد الضرار أسس على معصية الله، كما قال تعالى: {والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} .
فلهذه الأمور نهى الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عن القيام فيه والصلاة، وكان المنافقون الذين بنوه جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل خروجه إلى تبوك، فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته على تقريره، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: (إنا على سفر لكنا إذا رجعنا إن شاء الله) فلما قفل - عليه السلام - راجعًا إلى المدينة ولم يبق بينه وبينها إلا يومًا أو بعض يوم نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل مقدمه إلى المدينة.
مناسبة الآية للباب:
لأنه إذا منع الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - عن القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس على هذه المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح لغير الله لا يذبح فيها الموحد لله، لأنها قد أسست على معصية الله والشرك به، ويؤيده حديث ثابت الآتي.
من فوائد الآية:
1 -دلت الآية على أنه لا يجوز فعل الطاعة في مكان يعصى الله فيه، ومن ذلك الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله.
2 -تحريم كل ما يؤدي إلى الشرك.
3 -وجوب إنكار المنكر بخذل أهله.
4 -مشروعية سد الذرائع المفضية إلى الشرك.
5 -أن النية تؤثر في البقاع.
م / عن ثابت بن الضحاك - رضي الله عنه - قال: (نذر رجلٌ أن ينحر إبلًا ببُوانة، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟"قالوا: لا، قال:"فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟"قالوا: لا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أوْف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم") . رواه أبو داود
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(ببُوانة) قال البغوي: موضع في أسفل مكة.
(وثن من أوثانهم) الوثن: كل ما عبد من دون الله من شجر أو حجر.
(عيد) قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما يعود ـ من الاجتماع العام ـ على وجه معتاد.
(نذر) النذر هو: إلزام المكلف نفسه شيئًا غير واجب عليه أصلًا.