المعنى الإجمالي للحديث:
يذكر الراوي أن رجلًا التزم لربه أن ينحر إبلًا في موضع معين على وجه الطاعة والقربة، وجاء يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التنفيذ فاستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك المكان هل سبق أن وجد فيه شيء من معبودات المشركين أو سبق أن المشركين يعظمونه ويجتمعون فيه فلما علم - صلى الله عليه وسلم - بخلو هذا المكان أفتى بتنفيذ النذر.
مناسبة الحديث للباب:
أن فيه المنع من الذبح في المكان الذي فيه وثن من أوثان الجاهلية أو فيه عيد من أعيادهم ولو بعد زواله.
من فوائد الحديث:
1 -استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
2 -أنه لا يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله، والحكمة من ذلك أنه يؤدي إلى التشبه بالكفار.
3 -المنع من الوفاء بالنذر بمكان عيد الجاهلية ولو بعد زواله.
4 -ينبغي للمسلم أن يبتعد عن أماكن الجاهلية، ولا يخصصها بعبادة حتى لا يتشبه بهم وينسب إليهم.
5 -أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع.
6 -سد الذريعة وترك مشابهة الكفار.
7 -وجوب الوفاء بالنذر إذا لم يقصد مشابهة الكفار.
8 -تحريم الوفاء بنذر المعصية، كأن يقول: نذرت لله أن أشرب الخمر، فلا يوفي بنذره هذا بالإجماع.
واختلف العلماء هل فيها الكفارة على قولين:
القول الأول: لا تجب عليه الكفارة.
لقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا وفاء لنذر في معصية الله) ، ولم يذكر - عليه السلام - كفارة، ولو كانت واجبة لذكرها.
القول الثاني: تجب الكفارة.
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، لحديث عائشة مرفوعًا: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) . رواه أحمد والترمذي
وهذا القول هو الراجح، ورجحه الشيخ ابن باز رحمه الله.
9 -أنه لا وفاء لنذر فيما لا يملكه ابن آدم، كأن يقول: لله علي نذر أن أعتق عبد فلان، فنذره هذا باطل.
10 -تقرر في الشريعة أنه لا يجوز للمسلم أن يتشبه بالكفار، سواء في عبادتهم أو أعيادهم أو أزيائهم الخاصة بهم وهذه قاعدة عظيمة لها أدلتها من الكتاب والسنة الصحيحة:
من الكتاب: قال تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد ... } .
قال ابن كثير: (نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية) .
من السنة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) . رواه أبو داود عن ابن عمر
قال شيخ الإسلام: (وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم) . أ. هـ
فتبين من ذلك أن ترك هدي الكفار والتشبه بهم في أعمالهم وأقوالهم وأهوائهم من المقاصد والغايات التي أسسها وجاء بها القرآن الكريم، وفصلها النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمته.
وأذكر نتفًا قليلة لتقف على أهمية هذا الأمر، حيث أنه لم يقتصر على العادات بل تعداها إلى غيرها من العبادات والآداب:
أولًا: الصلاة.
عن جندب بن عبد الله قال: (سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول قبل أن يموت بخمس:"ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) . رواه مسلم"
وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا في خفافهم) . رواه أبو داود
وعن ابن عمر - رضي الله عنه: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى رجلًا وهو جالس معتمدًا على يده اليسرى في الصلاة، فقال:"إنها صلاة اليهود") . رواه البخاري
وعن مسروق عن عائشة: (أنها كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول إن اليهود تفعله) رواه البخاري