وقال تعالى: {ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} .
ومن ذلك حديث أصحاب الغار الثلاثة، حيث انطبقت عليهم الصخرة فسدّت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح الأعمال ففرج الله عنهم فخرجوا يمشون. متفق عليه
3.التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح.
كأن يقع المسلم في ضيق شديد أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، فيطلب منه أن يدعو له ربه.
فهذا مشروع وقد دلت عليه الشريعة المطهرة.
فمن ذلك ما رواه أنس - رضي الله عنه - قال: (أصاب الناس سنة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب على المنبر قائمًا يوم الجمعة، دخل أعرابي فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال وانقطعت السبل فادع الله لنا ... ) . متفق عليه
ومن ذلك ما رواه أنس: (أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - صلى الله عليه وسلم - فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) . رواه البخاري
ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا - صلى الله عليه وسلم - وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أي: كنا نقصد نبينا ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعو لنا.
وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: اللهم بجاه نبيك أسقنا، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم: اللهم بجاه العباس أسقنا.
لأن مثل هذا الدعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة.
ومن ذلك ما رواه الحافظ بن عساكر في تاريخه (18/ 151/1) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم بن عامر: (أن السماء قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثاوت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم) .
فهذا معاوية - رضي الله عنه - لا يتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح.
التوسل غير المشروع:
1.طلب الدعاء من الأموات:
فهذا لا يجوز، لأن الميت لا يقدر على الدعاء كما كان يقدر عليه في الحياة، وطلب الشفاعة من الأموات لا يجوز، لأن عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان ومن بحضرتهما من الصحابة والتابعين لهم بإحسان لما أجدبوا استسقوا وتوسلوا واستشفعوا بمن كان حيًا كالعباس ويزيد بن الأسود، ولم يتوسلوا ولم يستشفعوا ولم يستسقوا ولم يتوسلوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لا عند قبره ولا عند غيره، ولقد كان من الممكن أن يأتوا إلى قبره فيتوسلوا به لو كان جائزًا، فترْكهم لذلك دليل على عدم جواز التوسل بالأموات لا بدعائهم ولا بشفاعتهم.
2.التوسل بجاه النبي - صلى الله عليه وسلم:
فهذا لا يجوز، سواء في حياته أو بعد مماته، لأن جاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينتفع به إلا الرسول - عليه السلام -، وعلى هذا لا يجوز للإنسان أن يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك أن تغفر لي.
وأما حديث: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم) . قال شيخ الإسلام في الفتاوى [1/ 319] :
(وهذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث، ولا ذكره أحد من أهل العلم بالحديث) .
3.التوسل بحق المخلوقين: فهذا لا يجوز لأمرين:
أحدهما / أن الله سبحانه لا يجب عليه حق لأحد، وإنما هو الذي يتفضل سبحانه على المخلوق بذلك.
الثاني / أن هذا الحق الذي تفضل به الله على عبده هو حق خاص به، لا علاقة لغيره به.
وأما حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (من خرج من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وأسألك بحق ممشاي هذا ... ) . رواه أحمد واللفظ له وابن ماجه.