وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات والأرض} .
فمن كان هذا حاله، فكيف يُدعى من دون الله، ونفى عنهم سماع الدعاء بقوله تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} يعني الآلهة التي تدعونها لا يسمعون دعاءكم لأنهم أموات، أو ملائكة مشغولون بأحوالهم مسخرون لما خلقوا له، أو جماد.
ولأنه قد يقول المشرك: هذا في الأصنام، أما الملائكة والأنبياء والصالحون فيسمعون ويستجيبون.
فنفى سبحانه ذلك بقوله: {ولو سمعوا ما استجابوا لكم} أي لا يقدرون على ما تطلبونه منكم.
قوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم}
قال ابن كثير: " يتبرؤون منكم ".
{ولا ينبئك مثل خبير} أي لا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها، وما تصير إليه، مثل خبير بها.
قال قتادة: " يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر بالواقع لا محالة ".
مناسبة الآية للباب:
حيث دلت على نفي النفع والقدرة عن المعبودين دون الله.
من فوائد الآية:
1 -أن الأصنام لا تملك لعبّادها نفعًا ولا ضرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
2 -أن الشرك سبب للعداوة بين العابدين والمعبودين.
3 -بيان الشروط التي يجب توافرها في المدعو المُستَغَاث به، وهي:
1.ملكه لما طلب منه.
2.سماعه لدعاء من دعاه.
3.القدرة على إجابته.
4 -إثبات علم الله بعواقب الأمور.
وفي الصحيح عن أنس قال: (شُجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، وكُسِرَت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء} .
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
قوله (شُجَّ النبي - صلى الله عليه وسلم -) الشج: في الرأس خاصة، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويسقه.
وروى الطبراني من حديث أبي أمامة قال: (رمى عبد الله بن قمئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، فشجّه في وجهه، وكسر رباعيته، فقال: خذها وأنا ابن قمئة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: مالك أقماك الله، فسلط الله عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطّعه قطعة قطعة) .
(وكسرت رباعيته) قال القرطبي: " الرباعية بفتح الراء، كل سنٍ بعد ثنية.
قال النووي: " وللإنسان أربع رباعيات ".
قوله (يوم أحد) جبل معروف إلى الآن، كانت عنده الوقعة المشهورة، فأضيفت إليه.
قوله (فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم) زاد مسلم من طريق ثابت عن أنس: (وكسروا رباعيته وأدموا وجهه) .
والاستفهام يراد به الاستبعاد، أي: بعيد أن يفلح قومٌ شجّوا نبيهم.
قوله (فنزلت: ليس لك من الأمر شيء) قال ابن عطية: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لحقه في تلك الحال يأسٌ من كفار قريش، فقيل له بسبب ذلك: {ليس لك من الأمر شيء} أي: عواقب الأمور بيد الله، فامض أنت لشأنك، ودُمْ على الدعاء لربك ".
وقال غيره: " المعنى: أن الله تعالى أمرهم، فإما أن يهلكهم، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذّبهم إن أصروا، وليس لك من أمرهم شيء، وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم ".
مناسبة الحديث للباب:
حيث دل على أن الأنبياء أصلح الناس لا يملكون نفعًا ولا ضرًا، فكيف فيمن دونهم.
من فوائد الحديث:
1 -وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء لينالوا جزيل الأجر والثواب، ولتعرف أقوامهم ما أصابهم ويتأسوا بهم