قوله (سلوني من مالي) بيّن - صلى الله عليه وسلم - أنه لا ينجيهم من عذاب الله، ولا يدخلهم الجنة، ولا يقربهم إلى الله، إنما الذي يقرب إلى الله ويدخل الجنة، وينجي من النار برحمة الله، هو طاعة الله، وأما ما يقدر عليه - صلى الله عليه وسلم - من أمور الدنيا فلا يبخل بها عنهم، كما قال: (سلوني من مالي ما شئتم) .
مناسبة الحديث للباب:
أن فيه أنه لا يجوز أن يطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولا من غيره من باب أولى إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا، أما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله.
من فوائد الحديث:
1 -أن أحق الناس ببرك وإحسانك أقاربك، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة} .
وقد أمره الله بالنذارة العامة، كما قال تعالى: {لتنذر قومًا ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} .
وقال تعالى: {وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب} .
2 -أن الأنبياء لا يملكون لأحد نفعًا ولا ضرًّا فكيف بمن دونهم.
3 -إذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع نفع أحد دون الله، فغيره أولى.
4 -ينبغي للإنسان أن يشتري نفسه من عذاب الله بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، فإن ذلك ثمن النجاة والخلاص من عذاب الله.
5 -بطلان الاعتماد على الأنساب وترك الأسباب، فإن ذلك غير نافع عند رب الأرباب، كما قال - عليه السلام:
(من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) . رواه مسلم
6 -أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح.
7 -لا يجوز أن نسأل العبد إلا ما يقدر عليه من أمور الدنيا، أما الرحمة والمغفرة والجنة والنجاة من النار ونحو ذلك من كل ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يجوز أن يطلب إلا منه.
8 -الرد على عباد الأنبياء والصالحين الذين يغلون بالمخلوقين.
9 -أولى الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل طاعته لا أقاربه.
10 -مسارعة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى امتثال أمر ربه وتبليغ رسالته.
11 -وفيه دليل على الاجتهاد بالأعمال وترك البطالة والاعتماد على مجرد الانتساب إلى الأشخاص، كما يفعله أهل الطيش والحمق ممن ينتسب إلى نبي أو صالح ونحو ذلك.
12 -أنه لا ينجي من عذاب الله إلا الإيمان والعمل الصالح، لا الاعتماد على الانتساب للأشخاص.
13 -قال الحافظ في الفتح (8/ 362) :
" والسر بالأمر بإنذار الأقربين: أولًا: أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيما بينهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص على إنذارهم ". أ. هـ
14 -أن مجرد القرابة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تنفع بدون إيمان وعمل صالح وعقيدة صحيحة.
الباب السادس عشر
قول الله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} . [سبأ 23]
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(حتى إذا فزع عن قلوبهم) أي زال النزع عنها. [قاله ابن عباس وابن عمر والشعبي]
والفزع: الخوف المفاجئ، لأن الخوف المستمر لا يسمى فزعًا.