(عن قلوبهم) أي الملائكة، وهذا ما اختاره ابن جرير وغيره.
وقال ابن كثير: " وهو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار ".
وقال أبو حيّان: " تظاهرت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} إنما هي في الملائكة ".
(قال ماذا قال ربكم) أي قال بعضهم لبعض.
ولم يقولوا ماذا خلق ربكم، ولو كان كلام الله مخلوقًا لقالوا: ماذا خلق ربكم.
(قالوا الحق) أي قالوا: قال الله الحق، وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله وصعقوا، ثم قاموا، أخذوا يتساءلون فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق.
(وهو العلي الكبير) علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، فله العلو الكامل من جميع الوجوه، قال تعالى:
{الرحمن على العرش استوى} . الكبير: الذي لا أكبر منه ولا أعظم تبارك وتعالى.
أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة بيان حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم من عُبد من دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله تعالى وهيبتهم منه، وخشيتهم له، فكيف يدعوهم أحد من دون الله.
وإذا كانوا لا يدعون مع الله تعالى لا استقلالًا ولا وساطة بالشفاعة، فغيرهم ممن لا يقدر على شيء من الأموات والأصنام أولى أن لا يدعى ولا يعبد، ففيه الرد على جميع فرق المشركين الذين يدعون مع الله من يداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم، وقد قال الله تعالى فيهم: {وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} .
فهذه حالهم وصفاتهم، وليس لهم من الربوبية والإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له.
قال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: ". . . فالمخلوقات بأسرها خاضعة لجلاله، معترفة بعظمته ومجده، خاضعة خائفة منه، فمن كان هذا شأنه فهو الرب الذي لا يستحق العبادة والحمد والثناء والشكر والتعظيم والتأله إلا هو، ومن سواه ليس له من هذا الحق شيء، فكما أن الكمال المطلق والكبرياء والعظمة ونعوت الجلال والجمال المطلق كلها لله، لا يمكن أن يتصف بها غيره، فكذلك العبودية الظاهرة والباطنة كلها حقه سبحانه وتعالى الخالص الذي لا يشاركه فيها مشارك. . . ". أ. هـ
المعنى الإجمالي:
يخبر تعالى عن الملائكة أنهم إذا سمعوا الوحي من الله إلى جبريل فزعت عند ذلك تعظيمًا وهيبة، وأرعدت حتى يصيبها مثل الغشي، فإذا أزيل الفزع من قلوبهم أخذوا يتساءلون، فيقولون: {ماذا قال ربكم} فيقولون: (قال الحق وهو العلي فوق كل شيء، الذي لا أكبر منه ولا أعظم) .
مناسبة الآية للباب:
حيث دلت الآية على خوف الملائكة من الله، وتذللهم له، فإذا كان الملائكة كذلك يخشون الله ويخافونه، فكيف يُدعون من دون الله، وإذا لم تصح عبادتهم لا استقلالًا ولا وساطة بالشفاعة، فعبادة غيرهم كالقبور لا تصح من باب أولى.
من فوائد الآية:
1 -إثبات عظمة الله وهيبته، كما قال تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} .
2 -الرد على جميع فرق المشركين الذين يعبدون مع الله من لا يُداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من صفاتهم.
3 -إثبات القلوب للملائكة، لقوله: {عن قلوبهم} .
4 -أن لهم عقولًا، إذ أن القلوب هي محل العقول.
5 -إثبات القول لله سبحانه وتعالى.
6 -إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى بنوعيه: علو الذات ـ علو الصفات.
7 -إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: العلي والكبير.
في الصحيح:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي