الكبير، فيسمعها مسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء). رواه البخاري (2473) وأبو داود (4738) .
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
قوله (في الصحيح) أي في صحيح البخاري.
(إذا قضي الأمر في السماء) أي إذا تكلم الله بالأمر الذي يوحيه إلى جبرائيل بما أراده.
(ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله) أي لقول الله عز وجل.
قال الحافظ: " خَضَعانًا: بفتحتين من الخضوع ".
(كأنه سلسلة على صفوان) أي كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان وهو الحجر الأملس.
وقد روى ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: (إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان. . .) .
(ينفذهم ذلك) بفتح الياء وسكون النون وضم الفاء.
ذلك: أي القول، والضمير في: ينفذهم: للملائكة، أي: ينفذ ذلك القول الملائكة، أي يخلص ذلك القول ويمضي فيهم حتى يفزعوا منه.
(حتى إذا فزع عن قلوبهم) أي أزيل عنها الخوف والغشي.
(قالوا الحق) أي قالوا: قال الله الحق، علموا أن الله لا يقول إلا حقًا.
(فيسمعها مسترق السمع) أي يسمع الكلمة التي قضاها الله مسترق السمع، وهم الشياطين يركب بعضهم بعضًا، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر يقضيه الله، كما قال تعالى: {وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين} .
وفي صحيح البخاري عن عائشة مرفوعًا: (أن الملائكة تنزل في العنان ـ وهو السحاب ـ فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسرق الشياطين السمع فتوحيه إلى الكهان) .
(ومسترق السمع هكذا، وصفه سفيان بكفه) أي وصف ركوب بعضهم فوق بعض.
وسفيان: هو ابن عيينة، أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه حجة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة.
(وبدّد) أي فرق بين أصابعه.
(فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته) أي يسمع الفوقاني الكلمة فيلقيها إلى آخر تحته، ثم يلقيها إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن.
السحر: عزائم ورقى وتعوذات تؤثر في بدن المسحور وقلبه وعقله وتفكيره.
الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
(فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها) الشهاب: هو شعلة من نار قد تدرك الشيطان فتحرقه، وقد يفلت منها.
(فيكذب معها مائة كذبة) أي يكذب الساحر أو الكاهن مع الكلمة التي ألقاها إليه وليّه من الشياطين مائة كذبة.
(مائة) هل هذا على سبيل التحديد؟ أو المعنى أنه يكذب معها كذبات كثيرة؟
الثاني هو الصحيح.
(فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟) المعنى: أن الذين يأتون الكهان يصدقونهم في كذبهم، ويستدلون على ذلك بكونهم يَصْدقون بعض الأحيان فيما سمعوه من الوحي، ويذكرون أنه أخبرهم بشيء مرة فوجدوه حقًا، وتلك الكلمة من الحق، كما في الصحيح عن عائشة قالت: (قلت: يا رسول الله، إن الكهان كانوا يحدثوننا بالشيء فنجده حقًا، قال: تلك الكلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليّه، ويزيد فيها مائة كذبة) .
المعنى الإجمالي:
يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تعظيم الملائكة لكلام الله، وما يعتريهم من الخوف وتساؤلهم عما قال ربهم، وإجابة بعضهم لبعض، وما تعمله الشياطين الذين يختطفون كلام الملائكة في ذلك لتلقيه إلى السحرة والكهان من الناس، وما تلاقيه الشياطين من الرمي بالشهب حينئذٍ، وأنه قد يتمكن الشيطان من إيصال الكلمة المسموعة من الملائكة إلى