وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ (أن زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعباس: يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: لو راجعته، قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه) .
مالا يحل من الشفاعة فيه:
عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ (أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلمه أسامة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حدٍ من حدود الله؟ ثم قام فاختطب ثم قال: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيعم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) . متفق عليه
وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله) . رواه أبو داود وأحمد
وقوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ومالهم فيهما من شرك ومالهم منهم من ظهير. ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. . .} .
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(قل) أي للمشركين.
(زعمتم) أي زعمتموهم آلهة.
(مثقال) وزن.
(ذرة) من خير أ, شر، والمراد بالذرة: النملة الصغيرة.
(مالهم) أي للأصنام.
(فيهما) أي السموات والأرض.
(شرك) مشاركة.
(وماله) أي الله.
(منهم) من الأصنام.
(ظهير) معين.
المعنى الإجمالي:
يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول للمشركين على وجه التحدي: اطلبوا من آلهتكم التي زعمتم أنها تنفعكم وتكشف الضر عنكم، فإنهم لا يقدرون على ذلك.
لأنه لا بد من توفر أربعة شروط في المدعو حتى يقدر على إجابة من دعاه، وهي:
الشرط الأول: الملك.
وقد نفاه الله بقوله: {لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا الأرض} .
الشرط الثاني: إذا لم يكن مالكًا فيكون شريكًا للمالك.
وقد نفاه الله بقوله: {ومالهم فيهما من شرك} .
الشرط الثالث: إذا لم يكن مالكًا ولا شريكًا للمالك، فيكون عونًا ووزيرًا.
وقد نفاه الله بقوله: {وماله منهم من ظهير} .
الشرط الرابع: إذا لم يكن مالكًا ولا شريكًا ولا عونًا، فيكون شفيعًا.
وقد نفى الله الشفاعة عنده إلا بإذنه.
فبنفي هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، إذ ليس عند غيره من النفع والضر ما يوجب قصده بشيء من العبادة، كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون. ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا ولا يملكون موتًا ولا حياتًا ولا نشورًا} .
مناسبة الآيتين للباب:
أن فيهما الرد على المشركين الذين يتقربون للأولياء، يطلبون منهم الشفاعة ويدعونهم لجلب النفع ودفع الضر.
من فوائد الآيتين:
1 -الرد على المشركين الذين يدعون مع الله آلهة من الملائكة وغيرهم.
2 -مشروعية محاجة المشركين لإبطال الشرك ومناظرتهم في ذلك.