تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنا على آثارهم مقتدون} .
(فأعاد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -) وفي رواية: (فلم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة) أي: أعاد عليه قول: لا إله إلا الله.
(فأعادوا عليه) أي: أترغب عن ملة عبد المطلب.
(فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب) وأراد بذلك نفسه، أي على دين عبد المطلب.
وقوله (هو على ... ) الظاهر أن أبا طالب قال: أنا، فغيره الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحًا للفظ المذكور، وهي من التصرفات الحسنة. [قاله في الفتح 8/ 367]
وقد رواه أحمد بلفظ: (أنا) .
وقد وقع في رواية مجاهد: (يا ابن أخي ملة الأشياخ) .
ووقع في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم والترمذي: (قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك) .
(وأبى أن يقول لا إله إلا الله) قال الحافظ في الفتح (8/ 367) :
" هذا تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن اطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ".
(لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) وفي رواية: (والله لأستغفر لك) .
أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستغفرن له، إلا أن ينهى عن ذلك.
(فأنزل الله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ... ) أي ما ينبغي ذلك وهو خبر بمعنى النهي.
وقد روى الطبراني عن عمرو بن دينار قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي، فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) .
(وأنزل الله في أبي طالب: إنك لا تهدي من أحببت) قال النووي: " فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج وغيره، وهي عامة فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله ".
وقال الحافظ ابن حجر: " لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب ".
المعنى الإجمالي للحديث:
كان أبو طالب يحمي النبي - صلى الله عليه وسلم - من أذى قومه، وفعل من حمايته ما لم يفعله غيره من الناس، فكان - صلى الله عليه وسلم - حريصًا على هدايته، ومن ذلك أنه عاده لما مرض فجاءه وهو في سياق الموت وعرض عليه الإسلام، ليكون خاتمة حياته ليحصل له بذلك الفوز والسعادة، وطلب منه أن يقول كلمة التوحيد، وعرض عليه المشركون أن يبقى على دين آبائه الذي هو الشرك، لعلمهم بما تدل عليه هذه الكلمة من نفي الشرك وإخلاص العبادة لله وحده، وأعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب التلفظ بالشهادة من عمه، وأعاد المشركون المعارضة وصاروا سببًا لصده عن الحق وموته على الشرك.
وعند ذلك حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - ليطلُبَنَّ له من الله المغفرة ما لم يمنع من ذلك، فأنزل الله المنع من ذلك وبين له أن الهداية بيد الله يتفضل بها على من يشاء، لأنه يعلم من يصلح لها ممن لا يصلح.
مناسبة الحديث للباب:
أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك نفعًا لمن هو أقرب الناس إليه، مما يدل على بطلان التعلق عليه - صلى الله عليه وسلم - لجلب النفع أو دفع الضر، وغيره من باب أولى.
من فوائد الحديث:
1 -دل الحديث على نفي هداية التوفيق عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا انتفت عنه وهو أكرم الخلق، فنفيها عن غيره أولى.
2 -أن هداية التوفيق خاصة بالله سبحانه، فيكون طلبها من غير الله شركًا.
3 -أن الأعمال بالخواتيم.
4 -أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا طالب أن يقول: لا إله إلا الله، لعلم أبي طالب بما دلت عليه من نفي الشرك وإخلاص العبادة لله وحده.
5 -جواز عيادة المشرك إذا رجي إسلامه.