8 -أن أشرف وصف للإنسان أن يكون عبد لله، قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا} وقال تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} ، فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة، مع أن الرسالة شرف عظيم.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلوّ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ) . رواه أحمد (1/ 215/347) وابن ماجه (3064)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
هذا الحديث رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث عباس قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غداة جمع: (هلمّ الْقط لي، فلقطت له حصيات هنّ حصى الحذف، فلما وضعهن في يده قال: نعم، بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلوّ في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدين) .
(إياكم) أحذركم.
(من كان قبلكم) من الأمم.
المعنى الإجمالي للحديث:
يحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته من الزيادة في الدين على الحد المشروع، وهو عام في جميع أنواع الغلوّ في الاعتقادات والأعمال، ثم علل النهي عن الغلوّ بأنه هو السبب في هلاك الأمم السابقة، وذلك يقتضي مجانبة هديهم في هذا إبعادًا عن الوقوع فيما هلكوا به.
مناسبة الحديث للباب:
حيث دلَّ على أن سبب هلاك الأمم السابقة هو الغلوّ.
من فوائد الحديث:
1 -أن الغلو في الدين أو في المخلوقين يخرج الإنسان عن الحدود التي أنزلها الله، فيكون متبعًا لهواه، وهذا من الشرك المنافي للتوحيد.
2 -تحريم الغلوّ ويستفاد من وجهين:
الوجه الأول: تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتحذير نهي وزيادة.
الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم، كما أهلك من قبلنا.
3 -لقد جاءت النصوص الشرعية دعية إلى الاستقامة، وناهية عن الغلوّ، بأساليب عدة:
1.تعليم المسلمين أن يدعو الله أن يسلمهم من كلا الانحرافين ـ انحراف اليهود وانحراف النصارى ـ المضيعين لحدود الله والمجاوزين لها، قال تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} ولما أمرنا سبحانه أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم. . . كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين.
2.التحذير من تعدي الحدود، والأمر بلزومها، قال تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون} .
والحدود: هي النهايات لكل ما يجوز من الأمور المباحة، المأمور بها وغير المأمور بها، وتعديها: هو تجاوزها وعدم الوقوف عليها، وهذا التعدي هو الهدف الذي يسعى إليه الشيطان، إذ أن مجمل ما يريده تحقيق أحد الانحرافين، الغلوّ أو التقصير.
3.الدعوة إلى الاستقامة ولزوم الأمر، وعدم الغلوّ والزيادة، قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} فإن الله يأمر بالاستقامة التي هي الاعتدال، والمضي على النهج دون انحراف، ويعقب هذا بالنهي عن الطغيان، مما يفيد أن الله سبحانه يريد الاستقامة، كما أمر بدون غلوّ ولا مبالغة تحيل هذا الدين من يسر إلى عسر.
4.النهي عن الغلوّ، وتوجيه الخطاب لأهل الكتاب على وجه الخصوص، قال تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم. . .} وقال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل} .
وهذه النصوص وإن تعلقت بأهل الكتاب ابتداءً فإن المراد منها موعظة هذه الأمة لتجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة.
5.نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أمته عن الغلوّ، وذلك لئلا يقع المسلمون فيما وقع فيه من سبقهم من الأمم، كما في حديث الباب: (وإياكم والغلوّ. . .) .