فهرس الكتاب
6.بيان مصير الغالي وعاقبته، حيث وردت أحاديث تبين مآل من غلا، وأنه صائر إلى الهلاك، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (هلك المتنطعون ثلاثًا) . [كما سيأتي]
وجاء في أحاديث أخر أن التشديد على النفس سبب لوقوع التشديد من الله، فعن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) . رواه أبو داود وأبو يعلى
ولمسلم عن ابن مسعود: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (هلك المتنطعون) قالها ثلاثًا. رواه مسلم (2670)
ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ
(هلك المتنطعون) قال النووي: " المتنطعون: أي المتعمقون المغالون المتجاوزون للحدود في أقوالهم وأفعالهم.
(قالها ثلاثًا) أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التحذير والتعليم.
مناسبة الحديث للباب:
حيث دل الحديث على أن التنطع في الأمور كلها بما في ذلك تعظيم الصالحين، من أساب الهلاك.
من فوائد الحديث:
1 -أن التنطع في الأمور كلها بما في ذلك تعظيم الصالحين من أسباب الهلاك.
2 -بيان مصير الغالي وعاقبته، وأنه صائر إلى الهلاك، وكما أنه صائر إلى الهلاك، فقد جاءت السنة وبينت أن عاقبة صاحبه إلى الانقطاع، وأنه ما من مشادّ لهذا الدين إلا ويغلب وينقطع.
فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) . وفي رواية: (القصد القصد تبلغوا) . رواه البخاري
قال الحافظ ابن حجر: " والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق وإلا عجز وانقطع فيغلب.
أنواع الغلوّ:
إن الغلوّ ليس نوعًا واحدًا، بل يتنوع باختلاف متعلقه من أفعال العباد، فهو على نوعين:
النوع الأول: اعتقادي.
النوع الثاني: عملي.
النوع الأول: الاعتقادي:
والمراد به ما كان متعلقًا بباب العقائد، فهو محصور في الجانب الاعتقادي.
وأمثلة هذا كثيرة: منها: الغلو في الأئمة وادعاء العصمة لهم، أو الغلو في البراءة من المجتمع العاصي وتكفير أفراده واعتزالهم.
والغلو الاعتقادي أشد خطرًا وأعظم ضررًا من الغلو العملي، إذ الغلو الاعتقادي هو المؤدي إلى الانشقاقات، وهو المظهر للفرق والجماعات الخارجة عن الصراط المستقيم.
النوع الثاني: الغلو العملي:
والمراد به ما كان متعلقًا بباب العمليات، فهو محصور في جانب الفعل سواءً كان قولًا باللسان أو عملًا بالجوارح.
مثاله: الذي يقوم الليل كله.
وقد عالج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا من أحداث الغلو العملي في عصره:
فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها فقالوا: أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، قال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) . رواه البخاري ومسلم
وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد فإذا حبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: حلّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليرقد) . رواه البخاري ومسلم
وفي هذا الحديث كما قال الحافظ ابن حجر: " الحث على الاقتصاد في العبادة والنهي عن التعمق فيها ".