فهرس الكتاب
وأما تأويل الحبشي لرواية الشافعي بذم الكلام يقصد بها أهل البدعة (1) ، فهذا رأي صحيح، حيث إن أهل الكلام أهل بدعة،لأنهم يأتون بأشياء لم تعرف في الدين من قبل، وطريقتهم في استخدام علم الكلام في إثبات العقائد، طريقة موهمة تحتمل الخطأ، وبالتالي فإن أهل البدعة غير مقصورين على فترة معينة، بل هم كل من انتهج نهج المتكلمين الأوائل، فيعتبروا من أهل البدعة؛ وأما إذا أراد الحبشي بأهل الكلام هم (أهل البدعة) مقصورة على الخوارج والمعتزلة فقط، فهذا غير صحيح، لأن (أهل البدعة) مصطلح غير مقصور على فئة محددة .
لقد كره الإمام أحمد -رحمه الله- الكلام وأهله بشدة، وكان يقول:"لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأما غير ذلك، فإن الكلام فيه غير محمود" (2) ، وجاء عنه"لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة" (3) .
قال الأوزاعي:"إذا أراد الله بقوم شرًا، ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل" (4) ، وعلم الكلام يقوم على الجدل، ولا خلاف في ذلك.
ما جاء عن أبي سليمان الخطابي في ذمه لأهل الكلام:"إن الشيطان استزلهم عن واضح الحجة، وأورطهم في شبهات تعلقوا بزخارفها، وتاهوا عن حقائقها… ولما رأوا كتاب الله ينطق بخلاف ما انتحلوه ويشهد عليهم بباطل ما اعتقدوه، ضربوا بعض آياته ببعض، وتأولوها على ما سنح لهم في عقولهم… ونصبوا العداوة لأخبار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولسنته المأثورة عنه…" (5) .
(1) - انظر: إظهار العقيدة السنية للحبشي ص19، المطالب الوفية للحبشي ص18-19.
(2) - صون المنطق للسيوطي ص67.
(3) - تلبيس إبليس لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ص86، تحقيق: أيمن صالح، الناشر: دار الحديث، القاهرة، ط الأولى 1415هـ-1995م.
(4) - شرح أصول الاعتقاد لللالكائي 1/145.
(5) - درء التعارض لابن تيمية 7/281-282.