فهرس الكتاب
وبعد أن يتحدث ابن تيمية -رحمه الله- عن قوله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } [الذاريات:56] ، يعقب بقوله:"والمقصود هنا أنه من المعروف عن السلف والخلف أن جميع الجن والأنس معترفون بالخالق مقرّون له، مع أن جمهور الخلق لا يعرفون النظر الذي يذكره هؤلاء، فعلم أن أصل الإقرار بالصانع والاعتراف به مستقر في قلوب جميع الإنس والجن، وأنه من لوازم خلقهم، ضروري فيهم وإن قدّر أنه حصل بسبب، كما اغتذاءهم بالطعام والشراب هو من لوازم خلقهم، وذلك ضروري فيهم . وهذا الإقرار والشهادة المذكورة في قوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } [الأعراف:172] " (1) ، وبهذا يتبين أن الإقرار بالخالق هو أمر فطري لدى الإنس والجن دون اللجوء إلى طريقة المتكلمين لمعرفة الله بالنظر، وقول الله تعالى: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق:1] ، حيث أن"هذه الآية مما يستدل به على ذلك، فإن أول ما أوجب الله على رسوله، وعلى المؤمنين هو ما أمر به في قوله: { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق:1] " (2) .
وهذا شارح الطحاوية يبين أول ما يجب على المكلف بقوله:"أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر،ولا القصد إلى النظر،ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم" (3) .
(1) - المصدر نفسه 8/482.
(2) - مجموعة الفتاوى لابن تيمية 16 / 191 .
(3) - شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ص78.