فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 667

ويؤكد هذا المنحى ابن رشد في كتابه (مناهج الأدلة) في أن الاستدلال بآية الأنبياء كان في غير موضعه، ويبين ذلك بقوله:"وقد يدلل على الدليل الذي فهمه المتكلمون من الآية، ليس هو الدليل الذي تضمنت الآية أن المحال الذي أفضى إليه دليلهم غير المحال الذي أفضى إلي الدليل المذكور في الآية" (1) ، ومما يدلل أن آية الأنبياء جاءت لإثبات الألوهية لله، وليس وحدانية الله وربوبيته -وإن كانت الألوهية تشمل الربوبية- وذلك أن مقصود الآية عدم وجود الفساد لعدم وجود أكثر من إله يعبد، بخلاف التمانع الذي أثبته الحبشي في آية الأنبياء الذي يراد منه إثبات صانع واحد لهذا العالم، لأنه لو فرض أكثر من صانع لما وجدت المخلوقات البتة، لأن أحدهما يريد أن يخلق والآخر لا يريد، ومما يؤكد المعنى السابق ما جاء في (منهاج السنة) أن:"بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ عن عبادة ما سوى الله تعالى، لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته، من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة، فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئة. وهذا معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل" (2) ، ولهذا قال الله في فاتحة الكتاب: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [الفاتحة:4] ، وقدم اسم الله على اسم الرب في أولها حيث قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ"

(1) - مناهج الأدلة في عقائد الملة لابن رشد ص35، تحقيق د. محمود قاسم، الناشر: مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة -بدون رقم طبعة- 1955م، وانظر: درء التعارض لابن تيمية 9/370.

(2) - صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب أيام الجاهلية ح3841 ، وأيضًا: كتاب الآداب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه ح6147 ، صحيح مسلم، كتاب الشعر ح2256، 4/1768.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت