فهرس الكتاب
بل كرهوه لإشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق. ومن ذلك مخالفتها للكتاب والسنة. ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند العوام المؤمنين فضلًا عن علمائهم. ولإشتمال مقدماتهم على الحق والباطل كثر الكلام وأنتشر القيل والقال، وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح، والعقل الصريح، ما يضيق عنه المجال. وسيأتى لذلك الكلام زيادة بيان عند قوله: فمن رام علم ما حظر عليه علمه.
الشرح:
فإن أهل الكلام قالوا إن السلف يكرهوا التحدث بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لكونه إصطلاحًا جديدًا لكن هذا غير صحيح فإن العرب لم يعرفوا الخبر والمبتدأ ولم يعرفوا النحويات ولكنهم لم يكرهوا التكلم بها وكذلك باقى العلوم الجديدة، لكن هذا الكلام (علم الكلام) فيه أمور كاذبة وإعتقادات خاطئة ومخالفة للكتاب والسنة لذلك كره السلف التكلم به ليس لكونه جديدًا عليهم ولكن لمخالفته للشرع والحق. فان قال قائل منهم لماذا تنكرون عَلَى علم الكلام، ولا تنكرون عَلَى غيره من العلوم المستحدثة كعلم النحو وعلم الأصول، فالعرب كانوا يتكلمون اللغة بدون معرفة مبتدأ ولا خبر، ولا نواسخ، ولا مضاف ومضاف إليه، والفقهاء كانوا يقولون حرام وحلال، ولم يكونوا يعرفون الأحكام التكليفية والوضعية، والعلة والمناط، وغير ذلك من مباحث علم الأصول.
فنحن جئنا بمثل ما جَاءَ به النحويون وضبطنا العقيدة، فوضعنا جسم وعرض، وحيز وجوهر، وتركيب وغير تركيب، أتينا بها حتى نفهَّم النَّاس العقيدة.
وقالت الصوفية: نَحْنُ أتينا ورتبنا طريق السلوك، وجعلنا له مقامات، وأحوالًا، والحال له تعريف، والمقام له تعريف، وكيف نجمع بين هذا المقام وهذا الحال، فما أتينا إلا بمصطلحات نُفهم النَّاس كيف كَانَ الصحابة يتعبدون.