الصفحة 17 من 21

الثالث: صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يخالف الظاهر ، وهذا ما اصطلح عليه المتأخرون من أهل الكلام وغيرهم ، كتأويلهم الاستواء بالاستيلاء ، واليد بالنعمة ، وهذا هو الذي ذمه السلف )) [1] .

(1) 13 ) أقول: أعلم رحمك الله: أن ما جاء في الفقرتين السادسة والسابعة بحاجة إلى نوع من التفصيل والبيان ، ودونك هو: قال الإمام العلامة محمد بن صالح العثيمين في (( شرح العقيدة الواسطية: 1 / 61 ) ): (( فالتحريف: التغيير وهو إما لفظي وإما معنوي ، والغالب أن التحريف اللفظي لا يقع ، وإذا وقع فإنما يقع من جاهل ، فالتحريف اللفظي يعني تغيير الشكل فمثلًا: فلا تجد أحدًا يقول:"الحمد لله رب العالمين"بفتح الدال ، إلا إذا كان جاهلًا.. .هذا الغالب ، لكن التحريف المعنوي هو الذي وقع فيه كثير من الناس . فأهل السنة والجماعة إيمانهم بما وصف الله به نفسه خال من التحريف ، يعني: تغيير اللفظ أو المعنى ، وتغيير المعنى يسميه القائلون به تأويلًا ، ويسمون أنفسهم بأهل التأويل ، لأجل أن يصبغوا هذا الكلام صبغة القبول ، لأن التأويل لا تنفر منه النفوس ولا تكرهه ، لكن ما ذهبوا إليه في الحقيقة تحريف ، لأنه ليس عليه دليل صحيح ، إلا أنهم لا يستطيعون أن يقولوا: تحريفًا ! ولو قالوا: هذا تحريف ، لأعلنوا على أنفسهم برفض كلامهم ، ولهذا عبر المؤلف( أي أبن تيمية ) رحمه الله بالتحريف دون التأويل مع أن كثيرًا ممن يتكلمون في هذا الباب يعبرون بنفي التأويل، يقولون: من غير تأويل، لكن ما عبر به المؤلف أولى لوجوه أربعة:

الوجه الأول: أنه اللفظ الذي جاء به القرآن ، فإن الله تعالى قال: { يحرفون الكلم عن مواضعه } [النساء: 46] ، والتعبير الذي عبر به القرآن أولى من غيره ، لأنه أدل على المعنى .

الوجه الثاني: أنه أدل على الحال ، وأقرب إلى العدل ، فالمؤول بغير دليل ليس من العدل أن تسميه مؤولًا ، بل العدل أن نصفه بما يستحق وهو أن يكون محرفًا.

الوجه الثالث: أن التأويل بغير دليل باطل يجب البعد عنه والتنفير منه ، واستعمال التحريف فيه أبلغ تنفيرًا من التأويل ، لأن التحريف لا يقبله أحد ، لكن التأويل لين ، تقبله النفس، وتستفصل عن معناه، أما التحريف ، بمجرد ما نقول: هذا تحريف. ينفر الإنسان منه ، إذا كان كذلك، فإن استعمال التحريف فيمن خالفوا طريق السلف أليق من استعمال التأويل.

الوجه الرابع: أن التأويل ليس مذمومًا كله، قال النبي عليه الصلاة والسلام:"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل ) ، وقال الله تعالى: { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } [آل عمران: 7] ، فامتدحهم بأنهم يعلمون التأويل."

والتأويل ليس بمعنى العاقبة والمآل، ويكون بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره.

أ ) يكون بمعنى التفسير ، كثير من المفسرين عندما يفسرون الآية، يقولون: تأويل قوله تعالى كذا وكذا. ثم يذكرون المعنى والسمي التفسير تأويلًا، لأننا أولنا الكلام ، أي: جعلناه يؤول إلى معناه وسمي التفسير تأويلًا لأننا أولنا الكلام ، أي: جعلناه يؤول إلى معناه المراد به.

(ب) تأويل بمعنى: عاقبة الشيء ، وهذا إن ورد في طلب ، فتأويله فعله إن كان أمرًا وتركه إن كان نهيًا ، وإن ورد في خبر ، فتأويله وقوعه

(جـ) المعنى الثالث للتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وهذا النوع ينقسم إلى محمود ومذموم ، فإن دل عليه دليل ، فهو محمود النوع ويكون من القسم الأول، وهو التفسير ، وإن لم يدل عليه دليل، فهو مذموم، ويكون من باب التحريف ، وليس من باب التأويل.

وهذا الثاني هو الذي درج عليه أهل التحريف في صفات الله عز وجل ،مثاله قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى } [طه: 5] : ظاهر اللفظ أن الله تعالى استوى على العرش: استقر عليه، وعلا عليه، فإذا قال قائل: معنى { استوى } : استولى على العرش، فنقول: هذا تأويل عندك لأنك صرفت اللفظ عن ظاهره، لكن هذا تحريف في الحقيقة، لأنه ما دل عليه دليل ، بل الدليل على خلافه )) [ بتصرف ، وأنظر ( المجموع: 3 / 165 ) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت