الصفحة 54 من 63

والإيمان بالقدر على ما سبق تقريره لا يمنح العبد حجة على ترك ما أمر الله به أو فعل ما نهي الله عنه، فمن احتج بالقدر على فعل المعاصي فهذا احتجاج باطل من وجوه .

الأول: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما منكم من أحد قد كتب مقعده من النار أو من الجنة". فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله ؟"قال: لا، اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (221) فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر .

الثاني: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ) (222) .

ولو كان العبد مجبورًا على الفعل، لكان مكلفًا بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل، ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل أو نسيان أو إكراه فلا إثم عليه؛ لأنه معذور .

الثالث: أن قدرة الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور، وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله، فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تنتفي حجته بالقدر، إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه .

فإذا اعترض العاصي وقال: إن المعصية كانت مكتوبة عليّ، فيقال له: قبل أن تقترف المعصية، ما يدريك عن علم الله تعالى؟ فما دمت لا تعلم ومعك الاختيار والقدرة، وقد وُضِّحت لك طرق الخير والشر، فحينئذ إذا عصيت فأنت المختار للمعصية، المفضل لها على الطاعة، فتتحمل عقوبة معصيتك .

السابع: أن المحتج بالقدر على نا تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي لو اعتدى عليه شخص، فأخذ ماله ، أو انتهك حرمته، ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله ، لم يقبل حجته، فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى ؟!

د - آثار الإيمان بالقدر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت