فهرس الكتاب
ثم يقال أيضًا إن طرد هذا المعنى المذكور في جميع نصوص الولاء والبراء غير ممكن ألا ترى أن استدلالهم بمثل قوله تعالى: (لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) على أن موالاة الكفار المكفرة هي موالاتهم محبة لكفرهم ودينهم الباطل استدلال مدخول وقول باطل، ذلك أن ظاهر الآية دالٌ على صورة من الموالاة المكفرة وأن صاحبها (ليس من الله في شيء) ، ثم استثنت من هذه الصورة المكفرة ما كان واقعًا في حال الإكراه، فلو كان المناط المكفر لهذه الموالاة الاعتقاد الباطن لما كان ثمة حاجة لاستثناء حال التقية، ذلك أنه لا يُكره شخص على اعتقاد الكفر في الباطن، وإنما يقع الإكراه على قولٍ يقوله المكره في الظاهر أو على فعل يفعله، وبهذين تتحقق منه التقية، فيقي بالقول أو الفعل الظاهر ما يضره ويضر باطنه، ويبقي اعتقاده مع التقية سليمًا، ولو أن شخصًا اعتقد الكفر تحت الإكراه كفر إذ لا رخصة باعتقاد الكفر ومحبته بحال، فدل على أن المناط المكفر في هذه الآية الكريمة ليس أمرًا باطنا يقع من قبل الموالي وإنما هو في أمر ظاهر يكون صاحبه كافرًا بفعله، وهو ما لا يقول به أولئك الفضلاء ذلك أنهم أخرجوا العمل من أن يكون مكفرًا بذاته في أبواب الولاء والبراء وحصروا الأمر في الكفر الباطن، ولا شك أن ظاهر هذه الآية الكريمة دال على خلاف ما قالوه وأن الكفر في أبواب الولاء والبراء قد يكون بالعمل الظاهر أيضًا ويكون هذا العمل الظاهر مناطًا للتكفير، وهذه الآية الكريمة الدالة على الرخصة بفعل موالاة مكفرة في حال الإكراه هي كقوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ