الصفحة 55 من 58

ومما يجب ملاحظته أن صورة المظاهرة بالمقاتلة مع الكفار ضد أهل الإسلام منافية ولا بد لأصل الولاء للمؤمنين وأصل البراءة من المشركين، وذلك للتلازم بين الظاهر والباطن، وأنه لا يمكن أن يكون العبد مؤمنًا بالله ورسوله الإيمان المنجي، محبًا لأهل الإيمان ولما هم عليه، مبغضًا لأهل الكفر وما هم عليه، ثم هو يبذل كل طاقته وقوته وجهده بل ويغرر بنفسه وأهله وماله في مناصرة الكفار على المؤمنين طلبًا لعلو شأنهم وغلبتهم ليُحصِّل منهم منفعة دنيوية مع ما علمه بما تستلزمه هذه النصرة من انتصار للشرك والكفر على الإيمان والإسلام، وأن هذا متى ما واقع هذه البلية العظيمة فإنما هو لطغيان محبة الدنيا على نفسه وقلبه حتى أخلته عن أصل الإيمان المنجي والمتضمن أصل الولاء والبراء المنجي فأضحى كافرًا، ألا فليُعلم أن من جعل هذا مؤمنًا ناجيًا مع هذا كله، فقد منع التلازم بين الظاهر والباطن، ووقع في شعبة من شعب الإرجاء على ما هو مقرر مشهور في مسائل الإيمان، وليت شعري لو أن مسلمًا قاتل مع أهل الكفر أهل الإيمان ووعده الكفار بالعطية الجزيلة بشرط أن يحصلها بعد انتصار الكفار هل يبقى في قلبه محبة لانتصار المسلمين وعلو شأن الإسلام أم أن حبه منصرف ولا بد لعلو شأن المشركين وانتصارهم طمعًا في تحصيل دنيا وليعلو شأن الكفر لا ضير!! فكيف لا يكون هذا المظاهر كافرًا بصنيعه هذا؟! وهل ينفك علو شأن المشركين من علوٍ لشأن الشرك والكفر، وهل انخفاض أمر المسلمين إلا انخفاض لدين الإسلام في الواقع؟! وكيف يتصور أنه مع هذا الانتصار الظاهر للكفار وهذه العداوة الواضحة لأهل الإيمان -بأن يقف في صف الكفار مقاتلًا للمسلمين- تظل عنده محبةٌ ونصرةٌ باطنةٌ لأهل الإيمان وللإيمان، وهل هذا إلا قول المرجئة الذين يمنعون التلازم بين الظاهر والباطن في مسائل الإيمان، وإذا كان أولئك الفضلاء قد أخرجوا العمل عن أن يكون مكفرًا في مسائل الولاء والبراء وقصروا الأمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت