فهرس الكتاب
وكل واحد رضي لنفسه أن يكون سالكًا منهج السَّلف عقيدةً، وعلمًا، وأدبًا، يأبى ذلك على نفسه البتَّة؛ لأنه يعلم أنَّ علماء الأُصول جعلوا مراتب العلم للنَّاس ثلاثًا: مرتبة الاجتهاد، مرتبة الاتِّباع، مرتبة التَّقليد، وهو إذ يعلم ذلك؛ فلسوف يضع نفسه في المرتبة التي يعرف أنَّها اللائقة به، لأنَّه -أوَّلًا- أعلم النَّاس بنفسه، ولأنَّه -ثانيًا- لن يُترك إن وضع نسفه في غير ما يليق، والأيَّام سوف تُعرِّيه، ويعرف النَّاس منه حينئذٍ ما لا يعرف هو من نفسه، ذلكم أنَّ العلم ليس بالأمانيِّ، والدَّعاوى، إنَّه بالسَّهر، وإدامة النَّظر، وتقليب الفِكَر، ومن ادَّعى شيئًا ليس فيه؛ عَرَفه النَّاس من غَدٍ بما فيه، وليس هو حينئذٍ بمُصدِّقه ولا بِنافيه، ورحمَ الله امرءًا عرف مكانه فأناخَ راحلته فيه!
ولكن هل يضير السَّلفيِّين أن يكون فيهم مجتهدون، ومتَّبعون، ومقلَّدون؟ ليس ذلك بضائرهم قطُّ، ولا بمنقصٍ من مروءاتِهِم، ولا بغاصٍّ من عقيدتهم وأخلاقهم، إذ إنَّهم لم يبتدعوا في دين الله بدعة، ولا أمسكوا بذَنَبِ ضلالةٍ، ولا أهاجوا غُبارَ فتنة (47) ، إنَّهم مع الأُمَّة في هذا التَّقسيم، ورضوا أن يكون فيهم المقلِّدون وما أكثرهم، وأن يكون فيهم المتَّبعون وهم دون الأوَّلين، وأن يكون فيهم المجتهدون وهم أقلُّهم عددًا، وأوفرهم علمًا.