الصفحة 116 من 291

وكأنِّي بهؤلاء القائلين هذه المقولة -النَّاسِّبيها إلى السَّلفيَّة وهم ينفونها عن أنفسهم -لا يرون الكفر إلاَّ على مثل ما كان عليه أبو لهب، وأبو جهل، وأُبيُّ بن خلف، وجلاوذةُ قريش وعتاتُها، أمَّا الذين يرفعون بعضًا من البشر إلى مصافِّ الأنبياء والمرسلين، ويرون لهم من العصمة والقدسيَّة ما يرون للملائكة -بل ويُقدِّمونهم على هؤلاء وأُولئك- ومن يَرى أنَّ الله سبحانه هو الكون، والكون هو الله، ومن يَرى أنَّ الله سبحانه حالٌّ بذاته القدسيَّة، في كلِّ شيءٍ، حتى في الأشياء التي يتنزَّه البشر عنها ومن يرى بأنَّ العصمة في الأولياء والصَّالحين إنَّما جاءَتهم من حلول الله في محمد صلى الله عليه وسلم؛ الذي حلَّ بموته في ذوات الصَّالحين، وتفرَّقت روحه عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

= -ولا شك- من التمادي في غيره، وإذا جاءك الدليل المنير يسعى فاتبعه وكن من ورائه.

السَّلام فيهم، ومن يرى بأنَّ الله سبحانه قد وكَل تدبير مُلكه وكَونه إلى الأقطاب نيابةً عنه، ومن يرى أنَّ الله عارٍ عن صفات الكمال، هذه العقائد ونحوها، ليست مكفِّرةً معتقديها ولا غائلةً إيمانَهم، وأحسبهم جميعًا يَرونَ أنَّ رِدَّة القبائل بعد موت النَّبي عليه الصَّلاة والسَّلام بترك الزَّكاة ليست ردَّة، وأنَّ قتال أبي بكر رضي الله عنه لتلك القبائل لم يَعْدُ أن يكون نَوع تأديب، لكن هل يدركُ التَّأديبُ قتل الأنفس، وإزهاق الأرواح، وإراقة الدِّماء؟ أما كان يكفي أبا بكر أن يَدَعَهم، ثمَّ يُلين لهم قناته، ويأخذهم بالحكمة والدَّعوة الحسنة، ويَجد في رأي عُمر مُعتَضدًا له في ترك قتال تلك القبائل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت