فهرس الكتاب
إنَّ إصرار أبي بكر على قتال المرتدِّين، ونُكوصَ عُمر عن رأيه الذي أشار به أوَّلًا على أبي بكر أن يدع قتالهم؛ لَدليلٌ ظاهرٌ على ردَّة تلك القبائل، وقد أجمعت الأمَّة كلُّها -من لدن تلك الواقعة- على أنَّ ردَّةً كانت في تلك القبائل، فرَضت على أبي بكر أن يستلَّ سيفه من غمده ليطيح بها -وقد أطاح وكان رضي الله عنه لها- رغم النَّتائج الأليمة المحزنة التي خلَّفتها، وكان من آلمِها وأعظمِها حزنًا المقتلة التي ذهبت بِحَفَظَةِ كتاب الله.
وليس خافيًا على أحدٍ، أنَّ المرتدَّة من العرب، كانوا ينطقون بالشَّهادة، لكن نطقًا لم يكن بمغنٍ عنهم شيئًا، ولا بمانع عنهم السَّيف، ولا برادٍّ عنهم غيرةَ أبي بكر على الإسلام وأهله.
إذًا فالنُّطق بالشَّهادة باللِّسان وحده، لا يكون به العبد مؤمنًا ولا مسلمًا، فالمنافقون كانوا ينطقون بها، وأهل الرِّدَّة كانوا ينطقون بها، وكلُّ أهل العقائد الباطلة الفاسدة -ممَّن خالفوا بها عن العقيدة الصَّحيحة- ينطقون بالشَّهادة، لكن هذا النُّطق ما أغنى عنهم من الحقِّ شيئًا، ولا هي تنجيهم من عذاب الله يوم القيامة، بل ولا من الخلود في النَّار.
وإذا كانت هذه العقائد التي أتينا على عددٍ منها تُعَدُّ شذوذات لا تستَوجب الكفر، فما هي الشذوذات -وكل الكفر شذوذات وشذوذات- التي تستوجب الكفر عندهم؟!
إنَّ سلامة العقيدة -أو قل: العقيدة السَّليمة- هي التي تمنع عن صاحبها السُّوء، وتدرأُ عنه الأذى أن يصيبه في دينه، وتهديه إلى الصّواب في تقدير الأُمور، ووضعها في مواضعها، ويكون الخطأ ضئيلًا إلى جانب الصَّواب الذي يحرص عليه.
وإني لأعجب من الذين يسمُّون هذه العقائد الموقورة بالفساد والأذى -حتى بظاهر ألفاظها- شذوذاتٍ.