الصفحة 118 من 291

هل يريدون التَّهوين من خطرها على الدِّين؟ أم هل يريدون تبرئة معتقديها من الكفر الصَّارخ؟ أم هل يريدون توحيد الأُمم قاطبةً ليكونوا أهل دين واحد مزيج من أمشاجِ أديانٍ بادَ بعضها، ونُسخ بعضها، وتخالج بعضها، وبقيت أثاراتٌ سانحة من بعضها؟! ولعلهم ينتهون إلى مقولة القوميين السافحين: (الدين لله والوطن للجميع) .

وحسبنا أن نعلم أنَّ قرونًا مضت -وهي تحمل أضغاثًا من الآلام النَّفسيَّة والبدنيَّة، والأحقاد المأبورة الرَّادفة- لا زالت تُقطِّع نفوسَنا حسراتٍ لا نَعدُّها شيئًا يذكر بجانب تلك العقائد، وحطَّمت قوارب النَّجاة التي كانت معدَّة لرحيلهم عن الأرض التي كانت الحِضنَ الدَّافيءَ الهانيءَ لهم، ووقفت حواجبَ صُلبةً في سبيل الأمل الذي يرتجى يومًا أن يُوائم بين الأتراح وبين الأفراح، ويؤلِّف بين الأوتار المتدفِّقة بأنغامها النَّشاز، لكن أنَّى يكون أمل يُرتجى لمواءَمةٍ أو تأليفٍ، وهو مصنوعٌ من نار ودخانٍ، يتأجَّجُ لظىً ملتهبًا يُقطِّع ويحرق، ويذيب، ولا يُبقي من ورائه إلاَّ ذكرًا لأشياء كانت يومًا لها أسماءٌ!!

إنَّ الَّذين يسمُّون هذه العقائد شذوذات لا تُكفِّر، لا يًصدِّقون أنفسهم، وهم إنَّما يقولونها زُلفى لأقوام أسرعت إليهم الدُّنيا بعد طول انتظار، وعلى حين غرَّة، بمنافع عراض طوالٍ هكذا تبدو للسُّراة في دهاليز الباطن المروِّع، يستخفون بأنفسهم من أنفسهم، ويحسبونها -وهي تستخفي- قادرةً على أن تعلن عنهم غير ما يخفون.

لكنَّها لم تنفعهم يومًا، ولا أرادها المعنيُّون بها حقائقَ موصولةً بصدور قائليها، فالحقُّ يظلُّ حقًَّا ولا يُدرأُ بباطل، والباطل يبقى باطلًا ولا يَستخفي من وراءِ الحقِّ، والظُّلمة والنُّور لا يجتمعان، والأرض والسَّماء لا يلتقيان، والهدى والضَّلالُ لا يأتلفان، واللَّيل والنَّهار لا يمتزجان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت