فهرس الكتاب
ونحن إذ نقرأ قوله سبحانه: {الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سورة البقرة: آية 255] لا يخطر ببالنا، بالنِّسبة لله سبحانه ضدَّ المعنى المتبادر من هذه الآية، والمعنى المتبادر هو: أنَّ الله سبحانه اختصَّ نفسه وحده بالحياة الدَّائمة، التي لا يعتريها وهنٌ، ولا نقصٌ، ولا زوالٌ، من التي تعتري حياة المخلوقين.
أمَّا حين نقرأ قوله سبحانه: {وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [سورة الأنفال: آية 42] فإنه يتبادر إلى الذِّهن فورًا، أنَّ حياة الإنسان، ليست دائمة خالدة، بل هي ذاهبة، واهنة، ناقصة، يؤكِّده قوله سبحانه: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ} [سورة الأنفال: آية 42] .
فكيف نفهم من قوله سبحانه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [سورة الزمر: آية 30] أنَّ الموت هو من صفات المخلوقين، وليس من صفات الخالق، ونقرأ قوله تعالى: {الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سورة البقرة: آية 255] ، ونفهم أنَّ الحياة الباقية هي من صفات الخالق، وإن كان البشر يوصفون بالحياة، لكنَّها ليست كحياة الخالق سبحانه؟
الله سبحانه وصف نفسه بالحياة، ووصف البشر بالحياة، لكنَّه ماز حياة البشر من حياته، كيلا يُخالط الأذهان لَبْسٌ بالألفاظ المشتركة المعنى، والتي لا تَميز بظاهرها بين معنيين مرادين للفظٍ من ألفاظها، إلاَّ إن ورد عليه شيءٌ يرفع اللبس ويزيل الإبهام، وإن كان ما كان ينبغي أن يكون لبسٌ ولا إبهامٌ، لكن التَّشريع الإلهي لا يَقِفُ بالعقل الإنساني بألفاظ لغة ما، أو بمعانيها، عند زمان معيَّن، ولا عند أصل إنساني واحد.
ولما كان الإسلام هو خير الأديان، وهو أشملها للزَّمان والمكان والإنسان، كان لا بدَّ وأن يكون للُّغة التي نزل بها دلالاتٌ واضحةٌ ثاتبةٌ، وهي أشرف اللُّغات، وأعلاها قدرًا ومنزلةً، وأقواها بالخصائص التي مازها الله بها سبحانه.