الصفحة 221 من 291

وإذا كان الله سبحانه قد حجب نفسه عن خلقه، واختصّ علمه بذاته بنفسه؛ لحكمةٍ يعلمها ويريدها في الدنيا، فإنَّ هذه الحكمة اقتضت أن يعرف المؤمنون ربهم بذاته يوم القيامة حيث يشاهدونه عيانًا، فتغرق كلّ لذة أصابوها في بحر لذة مشاهدة الحقّ سبحانه، يشاهدونه كما يُشاهد البدرُ ليلة تمامه، مصداقُ ذلك في كتاب الله وفي سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم.

أما ما جاء في الكتاب فقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [سورة القيامة: آية 23] ، هذه وجوه المؤمنين مشرقة مسرورة تنظر إلى ربِّها في فرح وسرور، أما ما في السُّنَّة فقوله صلى الله عليه وسلم:"إنّكم سترون ربكم عيانًا" (42) .

وعن أبي سعيد وأبي هريرة أنّ أُناسًا قالوا: يا رسول الله‍ هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال:"هل تضارُّون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما حجاب؟"قالوا: لا، قال:"إنَّكم ترون ربكم كذلك" (43) .

ولم يُحدِّد لنا الرَّسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث صفاتِ الله سبحانه، ولا الحالَ التي يكون عليها الرّب سبحانه حين يراه المؤمنون يوم القيامة، ولكنّه قال إن الرؤية تتحقّق لهم، وإنَّ الله سبحانه ينكشف لعباده المؤمنين فيرونه بأبصارهم كظهور الشمس والقمر ورؤيتهما بالأبصار المجرّدة، والمقصود هنا تشبيه الرؤية، أي: من حيث وضوحها، وليس تشبيه المرئي في الآخرة -وهو الله سبحانه- بالمرئي في الدُّنيا -وهو الشمس والقمر-، وبهذا ينتفي ما ألصقه بعض المتخرّصة بالسَّلف، من أنّ رؤية الله على هذا النحو، تستلزم الحيّز والمكان! وما علموا أنهم بهذا اللازم نفوا خبرًا صحيحًا -بل أخبارًا- من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، أوحى به إليه ربُّه سبحانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت