الصفحة 222 من 291

وإذا كان هذا ما عليه الأمر بالنسبة لله سبحانه في الآخرة، فأولى أن يكون ذلك في الدُّنيا، فالله سبحانه وصف نفسه بالاستواء على العرش في سبعة مواضع في القرآن كقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: آية 5] ، فالاستواء على العرش صفةٌ من صفاته سبحانه، لكن الله سبحانه استأثر نفسه بعلم حقيقة استوائه هذا، وإن كان معنى الاستواء معروفًا في اللغة، فمعنى استوى في اللغة: علا وارتفع عليه، يقال: استوت السفينة على الماء، أي: علت وارتفعت، لكن هذا المعنى لا نستطيع أن نطلقه على الله إطلاقه على الشيء المخلوق، فنحن وإن عرفنا معنى استوى في قوله سبحانه: {عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: آية 5] ، لكننا عاجزون على أن ندرك كيفية استواء الله سبحانه على العرش.

وقد علّمنا الإمام مالك -رحمه الله- كيف نفهم هذه الآية على وجه الصَّواب الذي لا يوقعنا في المحظور، الذي من أجله عطّلت الجهمية صفات الله سبحانه، وذلك فيما حكاه لنا ابن وهب عنه، قال: كنت عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبدالله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ، كيف استوى؟ فأطرق مالك، وأخذته الرُّحصاء -العرق الكثير- ثمّ رفع رأسه، فقال: الرَّحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة أخرجوه.

وفي رواية أخرى أنَّه قال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإنِّي أخاف أن تكون ضالًا، وأُمر به فأُخرج، وهذا هو قول أهل السُّنَّة قاطبة.

فالمطلوب إذًا في هذه الآية أن نسلّم بها تسليمًا، وأن نعلم أن المعنى الذي يليق بالمخلوق، وأنّنا إن أدركنا بعلمنا كيفية السماء السابعة، وأنَّ الله سبحانه فوق عرشه بذاته، فإننا يقينًا لن نستطيع أن ندرك كيفيَّة استوائه سبحانه، وقد دلَّ لهذا القرآن والسُّنَّة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت