الصفحة 226 من 291

وقد يسأل البعض سؤالًا فيقول: إذا ثبت لدينا أنَّ الله مع خلقه بعلمه، وأنَّهُ فوق عرشه بذاته، ولكن ماذا تقول في غير ذلك من الصفات التي لا يمكن بحال ما أن تكون وَفْقَ ما نريد، فالله سبحانه يقول: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [سورة القمر: آية 14] ، ويقول: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [سورة الطور: آية 38] ، ويقول: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [سورة طه: آية 39] .

فنقول أولًا: إنَّ هذه الآيات كلها دلّت دلالة صريحة على ما دلَّت عليه جميع آيات الصفات، وهي أن لله عينًا.

ونقول ثانيًا: ما قلنا في الاستواء واليد، نقول في العين: قد أثبت الله لنفسه استواءً ويدًا ليس بينهما وبين استواء البشر وأيديهم شبَهُ ولا مماثلةٌ، وكذلك العين، فليست هي العين الجارحة كعيون الخلق.

ونقول ثالثًا: بأن من الجهل الفادح بقواعد اللغة العربية وأصولها أن نقول بأنّ الفلك تجري في عين الله بذاتها، فمن يقول؛ فقد أغرق في الجهل، وجاوز حدود اللغة، فإنَّ هذه الآيات الثلاث التي ذكرت فيها العين تدلُّ على شيءٍ واحدٍ، اقتضى الدَّلالة عليه أساليب اللغة، وتنزيه الله سبحانه عن الحلول والاتحاد والاحتياج لشيء من خلقه.

فالمعنى المراد في هذه الآيات الثلاث هو: أنَ الفُلك تسير فوق الماءبأمر ربِّها ورعايته وكلاءته وحفظه، وأنَّ موسى عليه السلام ينشأُ برعاية الله وحفظه ومحبّته، وأنَّك يا محمَّد مهما أصابك من الأذى من قومك فإنَّك محفوظٌ مكلوءٌ بحمايتي ورعايتي لك، مع إثباتِ أصلِ الصِّفة لله سبحانه.

ومثل هذا كما قلتُ: عُرِفَ في اللغة؛ فإذا أردتَ أن تدلِّلَ على حبِّك إنسانًا ورعايته أمره تقول له: إنَّك في العين، فهل هو في العينِ فعلًا؟ أظنّ أن كلّ من يشم رائحة العربية يعرف أنَّ المقصود بذلك هو إظهار ما لهذا الرَّجل عندك من حبٍّ ورعايةٍ، فهو من باب الكناية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت