فهرس الكتاب
ويُشبه هذا المعنى الذي أراده الله من هذه الآيات الثَّلاث، معنى حديثٍ مشهور يجري على ألسِنة الناس، وهو حديث الولاية الذي يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربِّه:"من عادى لي وليًا فقد آذنتهُ بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أُحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه" (46) ، ولو سألنا الذين يتأوَّلون العين واليد والاستواء وغيرها من الصٍّفات التي أثبتها ربُّنا سبحانه لنفسه عن معنى قوله في هذا الحديث:"كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها"، لقالوا في السَّمع والبصر واليد من غير تأويل لها، أما الرِّجل فإنَّهم سيؤولونها، لماذا هذا التأويل؟ ليس إلا تنزيهًا للخالق سبحانه، فمن أين جاءوا بهذا التفريق الذي لا دليل عليه إلاّ أمر عاطفيُّ وجدانيٌّ محضٌ؟
والتفسيرُ الحقُّ لهذا الحديث هو كالتأويل للعين التي جاءت في هذه الآيات الثلاث، فالعبد إذا أطاع ربَّه وأخلص له العبادة كان موفّقًا في كلِّ ما يفعل ويقول، فهو إن سمع كان موفّقًا فيما يسمع، وإن أبصر كان موفقًا فيما يُبصر، وإن أصابت يده شيئًا أو تحرّك برجل إلى شيءٍ كان موفقًا فيما يفعله، ولا يُعقل في حقِّ الله أن يكون هو بصر العبد وسمعه، ويده ورجله، وإلاَّ انتهينا إلى ضلالةٍ كبيرةٍ في العقيدة ولا بدَّ وهي عقيدة الاتحاد أو الحلول.