فهرس الكتاب
بمثل هذا الفهم للقرآن الذي يقتضيه أمران اثنان، وهما تنزيه الله سبحانه عمّا لا يليق به، وقواعد اللغة العربية وأصولها، يمكننا تجنّب الوقوع في الإفك والضّلال الذي وقعت فيه الفِرقُ الضالةُ التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النَّصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار، إلاَّ واحدة" (47) .
بقي أمر مهمٌّ جدًا يجب أن نبينه، وهو أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم علِمَ أنَّ أمورًا كثيرة من أمور العقيدة -بوحي من ربِّه- ستقع فيها الأُمَّة من بعده فبيّنها بيانًا شافيًا لم يدع مجالًا فيها لمرتاب.
ولو كان في هذه الآيات ما يُريبُ في فهمها لبيّنه صلى الله عليه وسلم، لأنه واجبٌ في حقِّه صلى الله عليه وسلم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وإلاَّ لم يكن قد بلّغ الرِّسالة التي أمره الله سبحانه بإبلاغها بقوله: {يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [سورة المائدة: آية 67] .
وهناك مسألةٌ أخرى مهمة يتنطّع فيها البعضُ بجهلٍ وسوء طويّة، وهي قولهم: كيف تصفون الله بالعصمة وهي ليست من الصِّفات التوقيفية التي تدندنون حولها وتُلزمون الناس بقولها؟
فأقول وبالله التوفيق، وعليه التُّكلان، وإليه القصد والتّوجهُ:
نعم؛ هي ليست صفة من صفات الخالق، لكنّها معنىً لصفات عديدة من صفاته سبحانه، فالله سمّى نفسه الحكيم، والمجيد، والعليم، والحفيظ، والقدير، والمحيط، وغير ذلك من الأسماء الحسنى التي تدلُّ كلها بل كلُّ واحدة منها بمفرده على أنَّه سبحانه يكلأُ الخلق ويرعاهم ويحفظهم ويحيط بهم علمًا.