الصفحة 229 من 291

ولا يقع شيءٌ في الأكوان التي خلقها إلا بإرادته وعلمه ومشيئته، فحين نقول: العصمة لله وحده، إنما نذكرُ معنىً لصفة أو صفات، تمامًا كما يقال: الكمال لله وحده إنما نذكرُ معنىَّ لصفة وصفات، وليس من أسمائه سبحانه الكامل، ولا يصحُّ أن نقول: إنَّ من أسمائه سبحانه المعصوم أو الكامل، فهي صفة معنى.

ونحن نقرأ فيما نقرأ وصف الله بالقِدَمِ، ونقول: الله قديمٌ، وقديمٌ ليست من أسماء الله، وإنما هي معنىً لاسم من أسمائه وهو الأوّل، فَلِتقريبِ المعنى للذهن تُؤوَّل أسماء الله وصفاته تأوُّلًا يُبقي على الصِّفة أو الاسم التَّوقيفي من غير إخلال بهما، ويظلُّ المعنى دالًا عليهما من غير أن نسمي الله أو نصفه به، ولا غضاضة في ذلك البتة، وإلا كيف نقول كما قالوا من قبل: الله قديم، والكمال لله وحده؟ (48)

وأخيرًا: فإنَّه لم يبقَ مكانٌ قطُّ لقول قائلهم: إنَّ التعطيل -أي: تعطيل آيات الصِّفات عن معانيها- يقابله التجسيم أو التشبيه، وهو ترك آيات الصفات على ظاهرها، ويُفهم منها المألوف في حياة المخلوقين؛ فيُفهم من اليد الجارحةُ التي خلق الله فينا، ويُفهم من الاستواء معناه المحتملُ في جلوس أحدنا على كرسيِّه أو سريره، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

ولعلَّ هذا القائل أرادَ الاختباء وراء قوله هذا!! إذ لم يقطع أيّ الوجهين أراد، وإن كان يبدو للمتأمل في أنَّه صريحٌ، وأنه أقرب ما يكون إلى مذهب الاعتزال، الذي أراد أصحابه أن يهربوا من شرِّ التأويل فوقعوا في إثم التعطيل، وأنّه أراد بقوله إلصاق القول بالتجسيم والتشبيه بالسلف وهم منه براء، كما بيّنا في ثنيّات كلامنا فالتقى الإثبات والوقوف مع صريح النصّ من غير تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل، وهو الحقّ الذي لا مِرْيةَ فيه.

سنن اللَّه وقوانينه في كونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت