فهرس الكتاب
الأولى: هو قانونٌ يقتضي وجود قوتين متدافعتين، واحدة بإيمانها وحقِّها، والأخرى بجحودها وباطلها، والله خالقُ هذا القانون وواضعهُ في الحياة والكون، إنما وضعه ليظهْرَ به حقّ الإيمان لأنه يحبُّه، ويُذْهبَ باطلَ الجحود لأنَّه يكرهه، فهو سبحانه يحبُّ الإيمان وأهل الإيمان، ويكره الجحود وأهل الجحود، وهو إذ يحب الإيمان وأهله، يحبُّ أن تكون الغَلَبةُ والتّمكين في الأرض لهم، وإذ يكره الجحود وأهله، يحب أن تكون الهزيمة والخذلان والضّعف في الأرض لهم؛ وليس وجودُ القوتين المتدافعتين، يعني أنَّ كلَّ قوة منهما يتكافأ أفرادها في إيمانهم، أو في جحودهم، فللإيمان مراتبه المتفاوتة، وللجحود مراتبه المتفاوتة كذلك، وإذا عَلم الله سبحانه أنَّ تفاوتَ مراتب الإيمان، لا ينزلُ بأفراد المؤمنين إلىما يقارب أدنى درجات الجحود، جعلَ النَّصر حليفهم، أما إذا نزل بهم حتى جاوز الأدنى منها، فظهور إحدى القوّتين يكون مرهونًا بظهور القوة الماديّة فيها، والحِنكة الإدارية، والتفوق الذِّهني والنَّفسي، الذي يقدر على الوصول إلى النتائج السّليمة وفْقَ مقدِّماتها، وفي الأغلب أنَّ الظُّهور في مثل هذه الحالة يكون للقوة الجاحدة، ليكون ظهورها عقوبةً أو شبه عقوبةٍ تمسُ بها القوة الأخرى التي دلّت بمعصيتها حتى بلغت أعلى درجات الإيمان الكامل الذي كانت ستستحقُّ به النصر من الله.
وهذا الجحودُ من القوة الإيمانية، لا يعني قنوطَها ولا قعوها عن رجاء النّصر الذي وعد الله به عباده المتقين، فإنَّ حقًا على الله سبحانه أن يجعل في الأمة طائفةً دائمةَ الظهور، يُعقد رجاءُ المستضعفين في الأرض جميعًا، وهذا من معنى قوله تبارك وتعالى: {كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي...} [سورة المجادلة: آية 21] .