الصفحة 59 من 291

ونحن لا نريدُ أن نلوي عُنُق الحقيقة ليًَّا، فنَستَنطِقَها - قسرًا- أمرًا ليس في جوهر السَّلفيَّة، ولا في ظاهر سلوكها، نُطاول به الزَّمان، ونباهي به الدُّنيا، ونهزُّ به أرْيَحِيَّات الغيارى، ونستجلبُ به أطماع الجياع المهلوعين، فالسَّلفيَّة غنيَّةٌ بذاتها، نقيَّةٌ في جوهرها، غرَّاءُ زهراءُ بأُصولها وفروعها، ولقد أمْلَتْ على الدُّنيا بأسرها هذه الحقيقة مذ كانت، وستظلُّ ماثلةً في آفاقها الفسيحة الرَّحيبة، تنهَلُّ بشذاها النَّديِّ، وتنسكبُ برَوحها العَبقِ، وتتألَّق بسناها الوضيء، إلى أن يقوم المنهجُ الحقُّ وأهلُه لربِّ العالمين، راغبين في رحمته، خائفين من عذابِهِ، راجين أن تكون السَّلفيَّةُ الحقيقيَّةُ شاهدةً وشافعةً عنده لهم.

أما أُولئك الذين شقيت نفوسُهم بالنُّفرة منها، أو مُلئت صدورُهم بعداوتها، أو زُحزحت عقولهم عن فقهها ونورها، أو استمالتهم أهواؤهم إلى غير السَّبيل الواصِلَتِهم بها، أو أدبرت بهم بالاستحياء أو العجز أو التردُّد عنها، أو أجلبوا سرًَّا وعلانيةً بعداوتها، أو تمارَوا في الحِقَب التي حفظتها، أو خذلوا أولياءَها وأهلها، وهم على بيِّنةٍ ويقينٍ أنَّهم واقفون على حُدودِ الله، ومعالم الحقِّ بها، أو ارتدُّوا على أدبارهم عنها حين اشرأبَّت بهم أطماعُهم إلى مغانم عاجلةٍ.

أقول: أمَّا أولئك جميعًا، فقد لَبِسوا قُمُصًا من قَطِران، سابغةً أو غيرَ سابغةٍ؛ كلٌّ حسب ما أسلف لنفسه، وقدَّم أمامه من نُفرتهِ وعداوته، وغشيتهم غواشي الظُّلم -والظُّلم ظُلُماتٌ يوم القيامة- وركنوا إلى همٍّ طويلٍ، لائلٍ، ثاغبٍ بالآثام، والخطايا، والهُون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت