الصفحة 60 من 291

فلماذا يُنكر أولئك المُنكرون أنَّ تقسيمَ الأُمَّة قسمين اثنين -سلفيِّين وبدعيِّين- وقد قسَّموها من قبل هم إلى سلفٍ وخلفٍ، ولا يُنكرون أن تُقسَّم الأمَّة إلى فِرَق وشيع وطرق؟ وربُّنا سبحانه يقول: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [سورة الأنعام:: آية 53] .

اللَّهمَّ فاشهَد بأنَّا قد رضينا بكتابك حكمًا عدلًا، وببلاغِ نبيِّك فَصلًا حقًَّا، وبالإقامَةِ على منهج الحقِّ عملًا صالحًا.

(ط) مِمَّا قالوا:"إنَّ السَّلفيِّين يُدنَدِنونَ دائمًا حول خبر الآحاد، ويرفعونه إلى مرتبة الخبر المتواتر في إثبات مسائل العقيدة"اهـ.

حسبُنا الله ونِعم الوكيل!! لكأنمَّا اجترح السَّلفيُّون خطيئةً نكراءَ، وهم يقولون ذلك!

ولست أُريد الوقوفَ طويلًا عند هذه المقولة المُحْدَثةِ، التي ما عرفها سلفُ هذه الأمَّة، ولا خَلَفُها أيضًا، إلاَّ من بعد أن عُقِرت ناقة الإسلام في مربضها، وتعاورتها ذئابُ الشرك والبدع من كلِّ جانب، وتناوشتها سهامُ الحوادثِ المَسْمومةُ من كلِّ صَوب، وهي صابرةٌ محتسبَةٌ، ناظرةٌ رحمةَ ربِّها، في غير ما قُنوطٍ ولا فزعٍ.

وكانت هذه المقولةُ واحدةً من مقولات، استطالت بشِرَّتها، ثمَّ ما لبثت أن امتدَّت فروعها، واسَّاقط ثمرُها المُرُّ، وكأنَّما لم يكن بدٌّ من أن يذوقه أهلُ كلِّ قُطرٍ وصل إليهم فرعٌ منها، حتى كاد ينسى معه طعم الثَّمر الشهيِّ الحلو، مِن جَنى شجرة الإسلام الباسقة.

ويكفي أن نعلم أنَّ التَّفريق بين العقيدة وبين الأحكام في الأدلَّة، أمرٌ لم يعرفه أهلُ الصَّدر الأوَّل، وكلُّ أمر لم يعرفه أولئك فجزاؤهُ أن يُطْمَس ويُغَوَّر، وكلُّ أمرٍ عرفه أولئك يجب أن يُعلن ويُظهر، ولو أنَّ القائلين هذه المقولة أفنوا أعمارهم في البحث عن أصلٍ لها، يَصلُحُ للتَّعويل عليه لَفاتَهم، وما أفادوا إلاَّ جهدًا ضائعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت