فهرس الكتاب
ولا أشُكُّ في أنَّها مقولةٌ خبيثةٌ، جرت بها لهواتُ رهطٍ لم يجدوا لِمكْرِهم منفذًا يُقبل في الأمَّة، يَسوءُون به وجه الإسلام -زعموا- إلاَّ مثل هذه المقولة، فهم يعلمون أنَّ جُلَّ أحاديث العقيدة أحاديث آحاد، كما يعلمون أنَّ المتواتر منها قليلٌ جدًا، وآيات القُرآن -وإن أتَت على أصول العقيدة- فإنَّه يبقى فروعُ هذه الأصول، التي لا بدَّ وأن تُعرف من أدلّةٍ تفصيليَّةٍ، وهي لا تُستوفى إلاَّ من أحاديثَ آحادٍ، فإن وقفنا عند المتواتر، فإنَّ هذه الفروعَ أو جُلَّها، يكادُ لا يقترب من دليل يُثبتها أو يقتر هو منه دليل، ومعنى هذا أنَّ جمهرةً كبيرةً من السُّنَّة، تُرَدُّ بدعوى عدم قبولها في العقائد.
ولكن أسألُ: كيف يكون الحُكم على هذه الأحاديث الآحاد، أو على بعضٍ منها، إن كانت مشتركة، تصلح أدلَّةً على العقائد والأحكام معًا، أو إن كانت لا تصلح إلاَّ أدلَّةً للعقائد وحدها؟!
فإن كانت لا تصلح أدلَّةً إلاَّ على العقائد وحدَها، فهي مردودةٌ جُملةً وتفصيلًا، لأنَّها لا تصلح للاستدلال بها على العقائد.
إذًا: فهي وإن كانت صحيحةً أو حسنةً باعتبار أسانيدها، لكنَّها من حيث العملُ والاستدلالُ بها معطَّلةٌ، فالحكم الذي يَصْدُق عليها يمكن أن يكون البطلانَ، فهي بهذا الاعتبار ليست داخلةً تحت قسم الثَّابت من الحديث، بل ولا تحت الضَّعيف منها، بل هي أقربُ إلى أن يحكم عليها بالوضع، إذ لا يفاد من روايتها ولا من درايتها، ما دام أنَّ العمل بها موقوفٌ غير جائز.
وعلى ذلك نسأل: ما حكمُ من يَظُنُّ في هذه الأحاديثِ الصَّحيحةِ أو الحسنة هذا الظَّنَّ، وهو لازمٌ لا ينفكُّ عنها وبخاصةٍ إن كانت هذه الأحاديث مما اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم؟!