الصفحة 70 من 291

غير أنَّه لا يحسُنُ أن يُغمِض السَّلفيُّون عيونهم على الخلافات التي تظهر فيهم بين الحين والآخر، فهم كسائر البشر يكون فيهم الخلاف، لكن لا عليهم لو أنَّهم سارعوا إليه وأخمدوه قبل أن يصبح عداوة مستَحِرَّةً فيهم، على نحو ما كان بين بعض رؤوسهم!! انتهى بهم إلى قطيعةٍ مريرةٍ، وتنازعٍ لازبٍ، وبغضاءَ طاحنةٍ، وضراوةٍ خرجت بهم عن النَّصَفةِ والأدب، مكَّن لخصوم السَّلفيَّة من الأكل من لحومهم أكلًا لمًَّا، والتَّزيُّدِ عليهم، والتَّشنيع على سيرتهم، والسُّخرية منهم، وهذا من هؤلاء السَّلفيِّين -ولا ريب- إعانةٌ منهم على المنكر، وكفٌّ عن المعروف، ولا يقال: مُحقّ ومُبطل، بل يُقال سلفيُّون خَلَعوا أنفسهم من سلفيَّتهم، وأوغلوا يرتعون في لعاعات الدُّنيا، ويمورون مورًا في أتون البغضاء المكوَّرة، حين صاروا إلى فِئامٍ أضجعها حبُّ الدنيا، فأنساهم الله حق طاعته عليهم، ليتيهوا في الأرض أكثرَ من أربعين سنة (33) .

ولسنا نعدُّ هؤلاء في الحواريِّين والصِّديقين، لكن حسبهم أنَّ لهم من السَّبق في العلم والدَّعوة، ما كان في وُسعِهم معه -لو أرادوا- أن يقطعوا ألسنة الخائضين، وأن يستجيبوا للحق، وينأوا عَن رغائب النُّفوس، ويكونوا أُسوة بالعفوِ، وكظمِ الغيظ، والصَّفح الجَميل، والرغبة عن التحاكم إلى الطاغوت (34) !!!

والصَّبر هو أمثلُ الأخلاق التي كان حقًَّا على السَّلفيِّين أن يتجمَّلوا بها، والنَّصرُ معقودٌ به، والرَّجاءُ بالظَّفر موقوفٌ عليه، والأجرُ المأمولُ في الدُّنيا والآخرة مأتيٌ منه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة آل عمران: آية 200] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت