فهرس الكتاب
رحمهم الله وجزاهم عن الإسلام والمُسلمين خير ما يَجزي عباده الصَّالحين، فقد -والله- عَظُمت أقدارهم بهذه الكلمات المُبينات، عند الله وعند النَّاس، ولو لم يتركوا من ورائهم علمًا إلاَّها لكفى، فكيف وقد أمْلَوا على التَّاريخ صحائفَ من نور الكتاب والآثار، ستظلُّ موفورة بذكرهم الماجد، تدفع عنهم في صدور الَّذين تواطؤوا على أن ينسبوا لهم أقوالًا وآراءً في الفقه، لو أنهم بعثوا من قبورهم، وقرؤوها أو سمعوها؛ ما زادهم ذلك إلاَّ إيمانًا بأنفسهم، وتصديقًا بما خلَّفوا من ورائهم من تلك الكلمات الباهرة، التي تنفي بنورها، وصِدقها، كلَّ ما نُسبَ إليهم من بعدهم، وتظلُّ قناديلَ مسرجةً في دُنيا النَّاس، تحدِّث النَّاس بِنورها المنبعث منها؛ أنَّهم سيظلُّون في حاجةٍ دائمةٍ إلى نورها.
ولا أحسبُ أحدًا في الأُمَّة يرى أنَّ اتِّباعَ هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى -فيما صحَّت نسبتُه إليهم، وصحَّ لهم دليلهُ- موافقًا للوحي بدعةٌ وخطأ؛ فإنَّ اتِّباعهم فيه هو -في الحقيقَةِ- اتِّباعٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، واتِّباعهم فيهِ على مثل ما ذكرنا يصحُّ القول فيه:"كلُّهم من رسول الله ملتمس"!!
أمَّا إن انتفى مَمَّا نُسبَ إليهم ما ذكرناه؛ فهذا القول باطل جدًَّا، وسيِّءٌ جدًا، وليس من الأدب العقلي ولا الأدب الشرعي ذكرُه؛ لأنَّه شيءٌ من الكذب ولا بدَّ، إذ كيف يكون مُلتَمَسًا من الرَّسول صلى الله عليه وسلم الشيءُ وضدُّه من الأحكام؟! وهو تناقضٌ لا في كلام البشرن بل في وحي ربِّ البشر؛ سبحانه وتعالى عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا.