فهرس الكتاب
فأيُّ الفريقين أهدى سبيلًا وأقوم قيلًا؟ الذي يسلِّم للمذاهب -أي بكلِّ ما فيها- تسليمًا، ويرى الخطأ فيها كالصَّواب والصَّواب كالخطأ؟ أم الذي يَميز ما بينَ الخطأ وبين الصَّواب امتثالًا للأئمَّة وكلماتهم رحمهم الله جميعًا، وتأدُّبًا معهم، وطاعةً لهم، وإبراءً لذمَّتهم، واحترامًا لكلماتهم، من غير تجريحٍ ولا تقبيحٍ ولا سخيمةٍ في صدرٍ، ولا مذمَّةٍ على لسانٍ، ولا نُفرةٍ في قلبٍ، ولا مكرٍ سيِّءٍ في جَنانٍ؟! إنَّهما لا يستَويان مثلًا!!
إنَّ مَن يعيب على من يسلك هذا المسلك مع أئمَّة المذاهب؛ إنَّما هو يعيبُ على هؤلاء الأئمَّة أنفسهم، ثمَّ يَمضي بإعابته هذه حتى يبلغ الصَّحابة رضوان الله عليهم، ثمَّ هو يُخشى عليه أن يكون عائبًا على الوحي -عياذًا بالله- والمُنزَّل عليه الوحي، وكان ممَّا نزل به الوحي عليه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [سورة آل عمران: آية 31] ، ومنه: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ} [سورة لانساء: آية 59] .
فالأمر -بالإنكار على المُفرِّقين بينَ الصَّواب وبين الخطأ في المذاهب- ليس هيِّنًا؛ إنَّه شرٌّ على العقيدة وبيلٌ، وخطرٌ على الدِّين عظيمٌ جليلٌ، فإذا كان ولا بدَّ من أمر لا يَبين عَن رأي صاحبه بكتمانه؛ فَلْيَسَعْ أولئك المُنكرين الصَّمتُ، وهو خيرٌ، وقليلٌ فاعله.
إنَّ الذين ينظرون في فقه المذاهب، فيأخذون الصَّواب ويدعون الخطأ -حسب القواعد الرَّصينة التي خلَّفها الأئمة المجتهدون من بعدهم لا يُؤثِرونَ فِقْهَ أحدٍ على أحدٍ منهم، لنسبةٍ عَصبيَّةٍ، إو إيثارٍ بهوى، أو انقيادٍ أعمى- هو الفقهُ السَّويُّ الذي يُقيمُ المُسلم على بصيرةٍ من أمره، وينجيه من التَّخبُّط المُضني الذي لا يُسلمه في النِّهاية إلا إلى الحَيْرَة.