الصفحة 98 من 291

ومن هنا وجدنا بَعضَ الأخيار الفضلاء من علماء السُّنَّة في عصرنا -حين صارت إليه هذه الكنوز- يعودون عن بعض أقوالهم في السُّنن والأخبار، التي كانوا قَد حكموا عليها بالقَبول أو بالرَّدِّ، وليس هذا بعائبهم، وقد علمنا أنَّ أئمَّة مِن أئمَّة هذا العلم قَد تعُقِّبوا في أحكامهم، واستُدرك عليهم في كتبهم ومَرويَّاتهم، فإنْ يستدرك عالمٌ على نفسه بنفسه -بما حباه الله من علم حادثٍ لم يكن لديه من قبل- هو خير ناله وأناله، ودلَّل به على صدقٍ في نفسه، أظهره الله للنَّاس، وما كان هذا ليكون لولا ما منَّ الله به عليه من خشية من الله وعلم ونيَّةٍ خالصةٍ فيه، ومن لم يصنع هذا الصَّنيع -بعد أن علم- فإنَّه ولا شكَّ يَصدُقُ فيه قول النَّبي صلى الله عليه وسلم:

"من حَدَّث عنِّي بحديث يُرى أنَّهُ كذب فهو أحدُ الكذَّابين" (45) .

وهذا خلقٌ علميٌّ قلَّ أن تجدَه بين أهل العلم في زماننا هذا، اللَّهمَّ ما علمناه في خاصَّة الخاصَّة منهم، وعلى رأسهم: جبل السُنَّة الباذخ، وصيرفها البارع، الذي ألان الله له نصوصها، وطوَّع له عَصِيَّها، وقرَّب إليه بعيدها، وجمع الله به من علومها الظَّاهرة الدَّامغة ما آتى منها الأوَّلين، فكان بها من المجدِّدين، وامتدادًا للسَّابقين، ودليلًا أمينًا للاَّحقين -وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء- الدَّاعية الحُجَّة العلاَّمة النَّقَّادُ المُحدِّثُ الشيخُ مُحمَّد ناصر الدِّين الألباني.

والإمام، الفقيهُ، الثَّبتُ، عالمُ الجزيرة، الزَّاهد، الورع، الجواد، البَصير، الدَّاعية، الجمُّ التواضع، الذي أحبَّه المخالفُ قبل الموافق، العلاَّمة الأثري، الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، أمتع الله المسلمين بطول عمرهما، ونفعهم بعلمهما، وجزاهما ربُّنا سبحانه عن الإسلام والمُسلمين خيرًا، فقد -والله- بذلا فأجزلا، وسقيا فأرويا، وبنيا فأعليا، وشهد لهما بذلك النَّصفَة من الأعداء قبل الأولياء (46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت