ولذلك قال تعالى منكرًا على أمثالهم: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) ، ومعلوم أنهم ما ادعوا أنّ الأحبار والرهبان خلقوهم أو أنهم يرزقونهم .. بل كان اتخاذهم إياهم أربابًا، بعبادتهم، كما قال تعالى بعد ذلك في الآية نفسها: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) [التوبة] ، ومعلوم أنهم لم يكونوا يعبدون الرهبان والأحبار، بمعنى أنهم يصلّون لهم أو يصومون، ولو طلبوا منهم ذلك بهذه الصراحة لما فعلوه، بل كانت عبادتهم بطاعتهم في التشريع والتحليل والتحريم. وهذا هو شركهم الذي ذكره الله في الآية ..
ولذلك استدل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بهذه الآية في كتاب (التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) في باب (من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله) ، وذكر في تفسيرها حديث عدي بن حاتم الطائي أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية .. فقال عدي: ما عبدوهم يا رسول الله .. [ظنًا منه أن العبادة مجرد الصلاة والسجود والصيام ونحو ذلك] .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم يكونوا يحلون لهم الحرام ويحرمون عليهم الحلال [1] قال: نعم. قال: فتلك هي عبادتهم ... .. ) [2] ، وقد صح نحو هذا التفسير للآية عن حذيفة رضي الله عنه وغيره. فهذا دليل صريح على كفر من أناط بنفسه أو بغيره سلطة التشريع المطلقة .. وكل من قبل بهذا الدين المحدث، وتواطأ مع المشرعين واجتمع معهم عليه فحكمه حكمهم.
ودليل آخر يدل على ذلك، دلالة صريحة أيضًا .. وهو قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) . فتأمل كيف حكم الله تعالى على الطاعة في التشريع أنها أعظم مفسدة في الوجود، فوصفها بأنها شرك، ونعت أهلها بأنهم مشركون وإن لم يكونوا يعبدون الأصنام أو يصلون لها.
(1) أي أنهم أناطوا السلطة التشريعية بهم، كما هو الحال عند مشركي الدستور اليوم.
(2) الحديث رواه الأمام أحمد، والترمذي وهو صحيح بمجموع طرقه.