فقد روى الحاكم وغيره بإسناد صحيح عن ابن عباس [1] أن هذه الآية نزلت في أناس من المسلمين كان المشركون يجادلونهم، في قضية واحدة من قضايا التشريع، فيقولون: الشاة تصبح ميته، من قتلها؟
فقال المسلمون: قتلها الله ..
فقال المشركون: ما قتل اللهُ، أو ما ذبح اللهُ بسكين من ذهب حرام، وما ذبحتم بسكين من حديد حلال؟
فأنزل الله تعالى الآيات إلى قوله تعالى: (وان أطعتموهم إنكم لمشركون) فهذا حكم رباني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وليس هو باجتهاد عالم يحتمل الخطأ والصواب ... بل نصّ سماوي صريح مُحكم، بأنّ من تابع وأطاع غير الله تعالى في التشريع ولو في مسألة واحدة، أنه مشرك بالله تعالى قد اتخذ ذلك المطاع ربًا، وإن لم يسجد له أو يصلي أو يصوم، فكيف بمن أطاع، أو أناط بنفسه أو بغيره سلطة التشريع المطلقة كلها .. ؟؟
ومثل ذلك قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)
وقوله تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدًا) . وفي قراءة ابن عامر وهو من القراء السبعة: (ولا تشرك) ، بصيغة النهي.
والنصوص الشرعية في هذا الباب كثيرة وقاطعة، لا تُبقي للمخالف المجادل مجالًا للّفّ والدوران، ولولا مخافة التطويل الذي لا يناسب هذه الورقات، لسقنا لك من ذلك الكثير .. ولكن وفيما أوردناه هنا حجة وكفاية، لمن أراد الهداية .. فإن العبرة ليست في كثرة الأدلة، بل في صحتها، وصحة الاستدلال بها .. وطالب الحق يكفيه من الله الأمر الواحد، أو الآية الواحدة أما من أراد الله فتنته، فلو جئته بقراب الأرض أدلة وبراهين فلن يرفع بذلك رأسًا.
(1) تنّبه إلى أن هذا سبب نزول، وليس بقول صحابي، أي ليس هو من قبيل اجتهاد الصحابة في التفسير.