وما علم هذا الأخ بأنه في وقوفه ينزل ويضعف إيمانه. يقول ابن القيم رحمه الله: والقصد: أن إضاعة الوقت الصحيح يدعو إلى درك النقيصة، إذ صاحب حفظه مترق على درجات الكمال، فإذا أضاعه لم يقف موضعه بل ينزل إلى درجات من النقص، فإن لم يكن في تقدم فهو متأخر ولا بد، فالعبد سائر لا واقف: فإما إلى فوق وإما إلى أسفل، إما إلى أمام وإما إلى وراء.
وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف ألبتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ ومتقدم ومتأخر وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء، كما قال تعالى: (( إنها لإحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) )ولم يذكر واقفا إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة فمن لم يتقدم إلى هذه الأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة. [1]
29 -خشيَ على وظيفتِه أو جاهِه ومركزِه، ففضلَ البعدَ عن العمل، وسوَّل له الشيطان أن الفترة قصيرةٌ، وأن هذا من التخطيط السليم، فتحول تفكيرُه وعمله إلى المحافظة على مركزه ومكانته، روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلا لا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ، فَإِنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ. [2]
30 -تمكن الشيطان من إلقاء الشبهات في قلبه وبخاصة في وقت الفتن، فيبدأ في مراجعة حساباته لا لتقويمها وسد الثغرات، ويقظة الحراسة، وإنما لتبدل القناعات لديه من غير دليل صحيح صريح.
وهذا هو الذي خشيه خبير الفتن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه حينما قال له أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه: أوصني، قال: إن الضلالةَ حقَّ الضلالةِ أن تعرفَ ما كنت تنكر وتنكرَ ما كنت تعرف، وإياك والتلونَ في الدين فإن دينَ الله واحد. [3]
عن محمد بن سيرين قال: قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: إنكم لن تزالوا بخير ما لم تعرفوا ما كنتم تنكرون وتنكروا ما كنتم تعرفون، وما دام عالمكم يتكلم بينكم غيرَ خائف. [4]
وعن إبراهيم النخعي كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب في الله. [5]
وقال مالك: الداء العضال التنقل في الدين. [6]
31 -كابد وجاهد نفسه فتعب ومل وترك العمل: ولا ندري كم من العقود جاهد وكابد فيها هذا الأخ الكريم!
(1) - مدارج السالكين 1\ 267.
(2) - مسند أحمد ح 11048
(3) - الإبانة 1/ 189 - 190.
(4) - الإبانة 1/ 190 - 191.
(5) - الإبانة 2/ 505.
(6) - الإبانة 2/ 605.