2 -إن قانون الإسلام لا يبيح إقامة امتياز بين المسلمين وغير المسلمين في باب الضرائب. وإن قلتم: كان التجار من غير المسلمين في صدر الإسلام يدفعون رسومًا تجارية ما كان يدفعها التجار المسلمون، قلنا أن أساس ذلك ما كان على حكم من أحكام الشرع الثابتة الدائمة، ولا كان المقصود منه أن يرغم التجار من غير المسلمين على قبول الإسلام، وإنما كان ذلك من التدابير المؤقتة التي أريد بها حث المسلمين على الاشتغال بالتجارة، إذ كان معظمهم في ذلك الزمان اشتغلوا بالخدمات العسكرية والمدنية. وكانت الحياة الاقتصادية في البلاد المفتوحة حديثًا -في تجارتها وصناعتها وحرفها وزراعتها وما إلى ذلك -بأيدي غير المسلمين. وإن قلتم اعتراضًا على ذلك: إن التاجر الذي يحصل من تجارته على ربح قليل ( Marginal Businessman) يجد نفسه مضطرًا إلى اعتناق الإسلام حفاظًا على مكسب رزقه في مثل هذه الظروف، قلنا إن قياسكم هذا لا أساس له من الصحة أبدًا، إذ كان علىلتاجر مع مجرد دخوله في حوزة الإسلام أن يؤدي زكاة ما يملك من الأموال وكان ثقلها عليه أكبر من ثقل مجموع الحزية ورسوم التجارة، وكانت تفرض عليه بنسبة ½2% سنويًا من كل ما عنده من عروض التجارة والحلي والنقود، على حين لم يكن على رجل غير مسلم، مهما ملك من الأموال الطائلة أن يؤدي الجزية أكثر من 48 درهمًا -ثلاث دولارات تقريبًا- سنويًا، والذي كان عليه أن يدفعه من رسوم التجارة، زيادة على ما يدفعه التاجر المسلم، لم تتجاوز نسبته خمسين في المائة في أي حال من الأحوال.
3 -قد مر جوابي عن هذا السؤال فيما شرحته في بداية الحديث.
حول الإكراه والإجبار في الحكم الإسلامي:
4و5 - أما المفسر الذي استشهدتم بقوله، فإنهلا يعني بقوله، فيما أعتقد أن للمسلمين أن يستخدموا وسائل الإكراه والإجبار لإدخال الناس في دينهم ما داموا مغلوبين على أمرهم ولم يكن لهم حظ من الحكم والسيادة، وأن يتخلوا عن كل هذه الوسائل إذا تمكنوا في الأرض وتولوا الحكم والسيادة. بل الأغلب أنه إنما فسّر الآية بهذا الوجه على افتراض أن أحدًا -فردًا كان أو جماعة- لا يستطيع أن يكره غيره- فردًا كان أو جماعة- إلا في ما إذا كان الأول حائزًا نوعًا من السلطة، وإلا فإنه من الظاهر أن لا معنى لأن يقال لمن لا يملك شيئًا من السلطة أو السيادة: لا تلجأ إلى وسائل العنف والإكراه ولا تؤاخذوني إذا قلت لكم أن المفهوم المقلوب الذي أخذتموه من قول هذا المفسر ليس بصحيح ولا يوافق المنطق.
حول عقوبة المرتد عن الإسلام:
6 -حكم المرتد في قانون الإسلام يبدو متنافيًا مع آية الإكراه بادئ الرأي، ولكنه لا يعارضها في حقيقة الأمر. وذلك أن الآية وردت في شأن الذين لم يدخلوا في الإسلام بعد، وهم الذي ورد التوجيه الرباني فيهم بأنه لا ينبغي إكراههم على الدخول في الإسلام. وبخلاف هذا فإن حكم المرتد في قانون الإسلام يتجه إلى الذين يريدون الخروج من الإسلام بعد دخولهم فيه. وليس الغرض (من هذا الحكم) أن يكرهوا على البقاء في الإسلام، وإنما هو أن يصان المجتمع الإسلامي -وهو أساس الدولة- من التفكك والانحلال ( Disintegration) . وكما أن قانون الإسلام لا يسمح لأحد من المسلمين أن يتخلى عن تمسكه بالإسلام وهو يعيش في الدولة الإسلامية، فهو لا يسمح كذلك بذمي من غير المسلمين أن يتمرد على الدولة ويأبى أن يدين لها بالولاء وهو ساكن في داخل حدودها. وعلى حد ما أعلم، فإن أي دولة في الأرض لا تسمح لنفسها أن تصبر على تفكك عناصرها التكوينية ومقوماتها الأساسية وفي هذا الشأن يفرّق سائر أرباب العلم بين"غير الداخل"وبين"الخارج بعد دخوله"وما في الدنيا من أحد يعاملهما معاملة واحدة.