وهل تحكمون بحكم واحد على من لا يتبنى المواطنة الأمريكية أو القومية البريطانية أصلًا وعلى من يتركها بعد تبنيها؟ وهل تعاملون ولاية غير منضمة إلى اتحاد الولايات الأميريكة كما تعاملون ولاية منشقة عليها بعد انضمامها إليها على حد سواء؟
معنى الآيات المحكمات والمتشابهات:
أما الآية الثانية الواردة في سورة آل عمران، فمن الضروري قبل أن تطلبوا مني جوابًا عما وجهتم إليّ من الأسئلة عنها أن تكونوا على بينة من معنى"الآيات المحكمات"و"الآيات المتشابهات"وما بين هذه وتلك من الفرق.
أما الآيات المتشابهات فهي آيات جاء فيها بيان لحقائق ما وراء الحواس البشرية، ولأن هذه الحقائق ما جاءت تحت تجربة الإنسان ومشاهدته، فمن ثم لا توجد لها في لغة الإنسان تعبيرات موضوعة لها بصفة خاصة. ولا جرم أن تستعمل لبيانها نفس التعبيرات التي وضعها الإنسان عن حقيقة أشياء تأتي تحت الحس، كاستعمال كلمات الحياة والبصر والسمع والقول لله عز وجل مثلًا، أو كإثبات أن له عرشًا وكرسيًا، أو كقول أنه في السماء، أو كقول أنه يحب ويغضب. فهذه الكلمات وأساليبب البيان وأمثالهما تعطي فكرة إجمالية عن حقائق ما وراء الحس. وذلك هو المراد، ولكن من المحال البتة أن تساعد هذه التعبيرات البشرية على بلوغ فكرة شاملة تفصيلية عن أصل الحقيقة، وإدراك كيفية وطبيعة تلك الحقائق التي وراء الحواس على أكمل وجه وأمثله. ومن ثم فإن القرآن ينحي باللائمة على الذين يحاولون تحديد معانيها في كل حال، ويقول عنهم إنهم أناس في قلوبهم زيغ، لأن هذه الكلمات غير متحملة لأن يحاول الإنسان تحديد معانيها أو تفسيرها بما يجعل الحقيقة، كما هي، في متناول إدراكه.
وأما الآيات المحكمات فهي بخلاف الآيات المتشابهات تبحث عن الإنسان والكون والشؤون والمسائل الواقعة تحت التجربة والمشاهدة، أو تصدر للإنسان أحكامًا وتعليمات عليه أن يلتزم بها. وهذه الآيات لما قد استعملت فيها تعبيرات وضعت للأشياء التي تتناولها الآيات باللغة الإنسانية، فللإنسان أن يؤولها ويفسرها. والمحاولة لتحديد معانيها ممكنة ومباحة، بل هي مطلوبة شرعًا، لأن الإنسان في حاجة إليها لفهم مقصود القرآن، ولنيل الرشد والتوجيه السديد منه، ولكن بشرط أن لا تكون هذه المحاولة إلا بصفاء النية وطهارة الطوية، وللاسترشاد المحض، وبطرق معقولة يختارها الإنسان في الدنيا لمعرفة مفهوم الكلام ومعناه الحقيقيين، لا لجعلهما منسجمان مع أهوائه وأفكاره ونظرياته.
هذا، وأتصدى بعد هذا للرد على بقية أسئلتكم:
7 -ليس من اللازم بعد شرحي المذكور آنفًا للآيات المحكمات أن أرد على سؤالكم هذا. وذلك أن ليست الآيات المحكمات بآيات"هي في غنى عن كل تأويل وتفسير"، كما قلتم، لكن القرآن إنما يستلفت نظر الإنسان إلى الآيات المحكمات وينهى عن تأويل الآيات المتشابهات، لأن الأولى هي المجال الصحيح الذي يبذل فيه الإنسان جهوده في التفكير والبحث والتحقيق والتفسير، لا الآيات المتشابهات.
8 -ما من ريب في أن آية"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"من الآيات المحكمات، إذ أن"الدين"و"الإكراه"، و"عدم الإكراه في الدين"، كل أولئك أمور نستطيع أن نحدد معانيها بلجوئنا إلى قواعد اللغة وأساليب البيان، واستعانتنا بسياق العبارة، وتصريحات القرآن الأخرى، والسنة والإجماع والقياس وكذلك كل آية قد أمر فيها الإنسان بالإيمان بشيء أو إنكاره أو اتباع شيء أو اجتنابه، أو فيها ذكر للأشياء الواقعة تحت حس الإنسان ومشاهدته وتجربته، فكل آية كهذه من الآيات المحكمات.
قضية تعدد الزوجات: