الصفحة 102 من 155

9 -لكم أن تعرفوا بما قلنا آنفًا أن ليست الآية الثالثة من سورة النساء من الآيات المتشابهات، وإنما هي من الآيات المحكمات. أما قولكم"إنها كانت من المحكمات فما للناس قد اختلفوا فيها هذا الاختلاف الكبير، فهو نتيجة لطائفة من أوهام باطلة في ذهنكم. فأول هذه الأوهام قولكم"إن الآية إذا كانت محكمة فاللازم أن لا يختلف اثنان في تفسيرها، وقد وقعتم في هذا الوهم لأنكم تظنون أن الآية المحكمة غنية عن كل تأويل وتفسير. والثاني من أوهامكم أن الناس قد اختلفوا في تفسيرها اختلافًا كثيرًا، مع أن مفهوم هذه الآية ما زال أمرًا متفقًا عليه بين علماء الإسلام مدة اثني عشر قرنًا مضى. وهو أنها تبيح للرجل أن يتزوج بأكثر من امرأة واحدة، وأنها تضع الحد النهائي لجمعه بين أكثر من زوجة واحدة في آن واحد وهو الأربع، وأنها تلزمه العدل بينهن، وأن المراد بالعدل العدل في المعاملة والحقوق، لا المساواة في العلاقة القلبية. أما التفسيرات التي قد بدأ أناس من المسلمين يأتون بها منذ أواخر القرن التاسع عشر، والتي قد ظننتم على أساسها أن هناك اختلافات واسعة بين علماء الإسلام حول تفسير هذه الآية، فلن أجاوز الحقيقة إذا قلت إنها ليست بتفسيرات، وإنما هي تحريفات باطنية لا يجوز أن تحظى بالاعتبار في باب تفسير القرآن وتأويله المشروع، وقد جاء بها أناس لا يسترشدون القرآن وإنما يسترشدونكم أنتم أهل الغرب، ثم يريدون أن يجعلوا القرآن يقول الحق لما يقولون أنه الحق. وما تقويل القرآن ما لا يقول، وإلباسه المعاني التلقائية هكذا، إلا غش ونفاق وخيانة. وإني لو كنت أعتقد على إخلاص وأمانة مني، أن وجهة نظر القرآن في هذا الشأن أو في شأن غيره باطلة، وأن وجهة نظر أهل الغرب صحيحة، لرفضت الإيمان بالقرآن، وآمنت بنظريتكم علنًا وما تلكأت في القول بأني لست مسلمًا. وهذا عين ما ينبغي أن يكون عليه موقف كل مخلص أمين، ولكن من دواعي الأسف أني مضطر إلى القول بأنكم تشجعون المنافقين منا، لا لشيء إلا لأنهم يوالونكم ويسيرون في ركبكم ويستوحونكم في شؤون الحياة. ومعنى هذا أنه تعجبكم موافقتهم إياكم ولا تكرهون ما وراءها من التضليل والنفاق والخيانة.

أهمية السنة في تفسير القرآن:

وقد أثرتم ضمن هذا السؤال سؤالًا آخر إذا كان أحد من الناس يعتقد أن آية في القرآن واضحة تمامًا في الدلالة على معناها، فهل به من حاجة إلى أن يرجع إلى السنة؟ وأقول إن أحدًا سواء أكان يعتقد أن القرآن كتاب ألّفه محمد صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه أم يعتقد أنه كتاب نزل من الله وأن محمدًا، صلى الله عليه وسلم، رسول الله، فإنه من الباطل مبدئيًا أن يدعى أن لا حاجة به إلى الرجوع إلى بيان محمد صلى الله عليه وسلم لمجمل القرآن بقوله وفعله، لأنه إن كان يعتقد القرآن كتابًا ألفه محمد صلى الله عليه وسلم من تلقاء نفسه، فلا بد له من الاعتراف بأن مقصوده الحقيقي هو ما بينه مؤلفه، وإن كان يعتقده كتابًا منزلًا من الله ويعترف بأن الله هو الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ليبينه للناس ويعلمهم إياه، فلا بد له من الاعتراف بأن مفهومه السليم الموثوق به هو ما أدركه محمد صلى الله عليه وسلم. أما تساؤلك من كون الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًا أم غير صحيح، وما هي الدلائل على صحته أو عدم صحته، فهذا بحث آخر، ولكن مما لا يجوز إنكاره في حد ذاته أننا لا نستطيع الاستغناء عن السنة لفهم القرآن وبلوغ مقصوده.

لا حاجة إلى ترتيب القرآن وفقًا لتاريخ نزول آياته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت